جدلٌ جديد في سويسرا أثارته مجموعة تطالب بإعادة عقوبة الإعدام بحق مرتكبي جرائم القتل الناتجة من اعتداء جنسي. فهل تتحدى برن الاتحاد الأوروبي؟


ربى أبو عمّو
سويسرا؛ ذلك البلد الذي منح فولتير ملاذاً آمناً، واستضاف الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان ورئيس الاتحاد السوفياتي الأخير ميخائيل غورباتشوف لإنهاء الحرب الباردة، هو نفسه الذي يواجه اليوم جدلاً بشأن عقوبة الإعدام، بعدما أطلقت مجموعة تضم 7 أشخاص مبادرة «عقوبة الإعدام في حال ارتكاب جريمة قتل مصحوبة باعتداء جنسي»، تطالب بإعادة هذه العقوبة إلى حيّز التنفيذ.
هذه المجموعة أطلقت مبادرتها بعدما تعرض بعض أقاربها لاعتداء الجنسي. حادث دفعهم إلى رفض تخلّي سويسرا عن عقوبة الإعدام، وخصوصاً بحق مرتكبي مثل هذه الجرائم. وقالوا على موقعهم الإلكتروني إن هذه المبادرة، التي سبّبت نقاشاً حاداً في سويسرا، «كانت الطريقة الوحيدة بالنسبة إلينا لتوعية السكان على المشاكل الخاصة بالعدالة».
ينص القانون السويسري على السماح بإدخال تعديلات بموجب مبادرات شعبية في حال جمع 100 ألف توقيع في مدة أقصاها 18 شهراً، وهو ما تسعى إليه المجموعة لإجراء استفتاء شعبي في 24 شباط من عام 2012. وكانت تجربة مماثلة قد فشلت في عام 1985 في جمع تواقيع كافية لتنفيذ عقوبة الإعدام بحق تجار المخدرات.
وإذا كانت المجموعة تسعى إلى حشد الرأي العام، يبدو أن الأحزاب السياسية السويسرية ترفض هذه المبادرة، بينها المجموعة البرلمانية لحقوق الإنسان، عدا حزب «الشعب» اليميني الذي ترك القرار للشعب.
سويسرا كانت من الدول السبّاقة إلى إلغاء عقوبة الإعدام، إلا أنها تبدو كمن يشعر بذنب حيال الذين قتلوا وعاش قاتلهم، وحيال القتلة، وما إذا كان يحق لها إنهاء حياتهم.
دخل قانون إلغاء عقوبة الإعدام حيّز التنفيذ في عام 1942، باستثناء فترة الحرب. وشهدت البلاد آخر إعدام رمياً بالرصاص في عام 1944. وخلال الحرب العالمية الثانية، أعدم 12 شخصاً، 11 منهم من النازيين.
في السياق، قال المتحدث باسم الحكومة، اندريه سيمونازي، إنه «إذا رأى البرلمان أن عقوبة الإعدام تمثل انتهاكاً للدستور السويسري أو المعاهدات الدولية، فستعرقل الاستفتاء»، فيما رأى المتحدث باسم منظمة العفو الدولية في سويسرا، دانيال غراف ، أن «إعادة إدخال عقوبة الإعدام من شأنها أن تضع سويسرا على خلاف مع الاتجاه العام، في مختلف أنحاء العالم، إلى إلغاء عقوبة الإعدام»، مشيراً إلى أن بيلاروسيا هي البلد الأوروبي الوحيد الذي لا يزال يطبّق العقوبة.


يسمح القانون بإدخال تعديلات على الدستور بموجب مبادرات شعبية
سويسرا أمام اختبار جريء، وهي التي تصنّف بالدول المُحافظة مقارنة بغيرها من الدول الأوروبية. وبعكس الشعب الفرنسي، على سبيل المثال، يعدّ السويسريون أكثر التزاماً بقضايا الدين والأسرة، وهم الذين يعتقدون أن تصرفاتهم كأفراد تحدد مستقبل بلادهم.
إلا أن المشكلة ليست في طبيعة الشعب السويسري، بل في موقف سويسرا أمام الاتحاد الأوروبي. فأوروبا تعدّ المنطقة الوحيدة في العالم التي ألغت عقوبة الإعدام، بقرار من الجمعية البرلمانية في نيسان عام 1983.
حتى إن خاصيّة أوروبا هذه حوّلتها إلى مساحة قابلة للسخرية. فقيل إنه إذا أراد زعيم تنظيم «القاعدة»، أسامة بن لادن، أن ينجو من عقوبة الإعدام، فخياره الوحيد يتمثّل في الوصول إلى أوروبا وتسليم نفسه.
ووضع الاتحاد الأوروبي إلغاء عقوبة الإعدام شرطاً أساسياً لحصول أي دولة على عضويته. ورغم أن سويسرا ليست عضواً في الاتحاد، إلا أنها وقّعت معه عدداً من الاتفاقيات الأسياسية، التي قد تمثّل حرجاً لبرن.
قد يكتفي الاتحاد الأوروبي بإبداء قلقه من أحداث سويسرا.
قد يدين ويعدّ مبادرة المجموعة السويسرية خروجاً عن ميثاق الاتحاد لحقوق الإنسان. إلا أن ما تطرحه برن هو إشكالية لم تُحسم بعد في نفوس الشعوب.