بول الأشقر

الأربعاء الدقيقة الثامنة بعد نصف الليل في التوقيت المحلي، وصل إلى سطح الأرض وإلى معسكر «الأمل» فلورنسيو أفالوس، أول العمال الـ33 الذين أمضوا 69 يوماً عالقين على عمق 700 متر. تنتظره زوجته وابنه الذي انفجر في البكاء لدى رؤية والده، إضافة إلى الرئيس بينييرا (وقد التحق به بعد ذلك الرئيس البوليفي إيفو موراليس لاستقبال مواطنه البوليفي)، وجيش من الصحافيين بالآلاف أتوا من كل أرجاء العالم. وصل أفالوس وعمره 31 سنة بعد سفره من 15 دقيقة في كبسولة الإنقاذ المطلية بألوان تشيلي التي كان قد نزل فيها المسعف مانويل غونزاليس. ومع أول العمال الخارجين إلى الحرية، نزل مسعفون ثلاثة آخرون للانضمام إلى العمال والإشراف على إخراجهم. ومن بعد صارت الكبسولة تنزل فارغة لتعود حاملة عاملاً آخر من الجحيم وفق ترتيب محدد سلفاً. بدايةً الأكثر خبرة ثم الذين يعانون الانهاك والمسنّون، يليهم العمال الآخرون وأخيراً المسعفون.
والسيناريو هو دائماً نفسه. الكبسولة تسافر في حفرة عرضها 66 سنتيمتراً تنقل العمال من عمق المنجم إلى سطح الأرض. عند وصول الكبسولة إلى ارتفاع معين، تطلق صفارة الإنذار لتتجهّز الفرق المنتظرة المؤلفة من تقنيين وأطباء، ويقترب الأقارب والمسؤولون من الحفرة الصغيرة حيث سيطل «القفص» وداخله العامل العائد من العالم الآخر. وتدوم عملية إخراج كل عامل أقل بقليل من ساعة، ما يعني أن عملية الإنقاذ ستستمر دون انقطاع حتى أول ساعات صباح اليوم.
وبعد معانقة الأهل والمسؤولين، يدخل العامل على ناقلة إلى مستوصف صحي لإجراء فحوصات أولية ثم يعود ويلتقي بأهله قبل أن تنقله طوافة إلى قاعدة عسكرية ومنها إلى مستشفى كوابو، أقرب المدن المجاورة، لإجراء فحوصات طبية اختيارية، إلّا أن وضع العمال الصحي يبدو مقبولاً.
ويقدر أن أكثر من مليار مشاهد تابعوا عمليات الإنقاذ بواسطة الأقمار الصناعية، فيما كان أكثر من ألف صحافي يتابعون التفاصيل على مدرجات أقيمت خصيصاً على بعد 250 متراً بواسطة شاشة كبيرة.
وتعود فصول المأساة إلى الخامس من شهر آب الماضي، عندما انهار سرداب على عمق 450 متراً في منجم سان خوسي للذهب والنحاس الموجود في صحراء أتاماكا في وسط شمال تشيلي. وفي 7 آب، عجز مسؤولو المنجم – الذي سيقفل نهائياً – عن متابعة أعمال الإنقاذ، ما جعل الدولة تأخذ على عاتقها كل العملية. وبدأت في 8 آب عملية حفر ثقوب في جميع الاتجاهات في محاولة لإيجاد أحياء أو تحديد أماكن العمال. وفي 22 آب، أتى النبأ السار بواسطة رسالة من أحشاء الارض موقعة من العمال الـ«33»، ودوّن عليها «نحن بحالة طيبة في الملجأ».
ومع تنفس تشيلي الصعداء بمعرفة مصير العمال، وعد الرئيس بينييرا بإخراجهم قبل عيد الميلاد. وبدأ سباق جديد مع الوقت. على سطح الأرض، فرق من المهندسين والأطباء تبني وتجهز «معسكر الأمل»، فيما بدأت ثلاث عمليات حفر مستقلة الواحدة عن الأخرى تحسباً لأي طارئ، والحفر العمودية هذه عرضها 33 سنتيمتراً وقد وسعت من بعد حتى عرض 66 سنتيمتراً، لكي تسمح بمرور الأجساد البشرية. بعد تحديد مكان العمال، صار من الممكن تغذيتهم ومعالجتهم وترفيههم. أما روتين حياة الـ32 تشيلياً والبوليفي المحتجزين على عمق 700 متر حيث معدل الحرارة 40 درجة، مع رطوبة من 85 في المئة، فكان يبدأ مع الاستيقاظ في السابعة والنصف من صباح كل يوم وينتهي بنومهم في الساعة الحادية عشرة ليلاً.
وقد انقسم العمال إلى ثلاثة فرق من 11 عاملاً، وعلى رأس كل فرقة عامل معروف بخبرته، واختاروا كذلك منسقاً عاماً وناطقاً رسمياً باسمهم. وكان للعمال دور أساسي في تدعيم جدران السراديب وفي تنظيف ردميات عملية الحفر. وتداولت الفرق كل يوم مهام التغذية والتدعيم والتنظيف. وكان العمال يستطيعون التنقل في سراديب طولها كيلومتران، وينامون في الشاحنات المحتجزة معهم.