بول الأشقر

خاص بالموقع - ارتفع حصاد القتلى في مواجهات ريو دي جانيرو، بين السلطات الأمنية من شرطة وجيش وبين عصابات تجارة المخدرات المجرمة، إلى 41 قتيلاً وعشرات من المعتقلين، بعد خمسة أيام من المعارك المتقطعة.
وللمرة الأولى في تاريخ هذه المواجهات المُزمنة، دخلت دبابات الجيش إلى بعض «الفافيلات»، وهي الأحياء الفقيرة التي تحيط بالمدن البرازيلية والتي غالباً ما تتحول إلى معاقل لمافيات المخدرات.
وبدأت المواجهات بعدما أضرمت العصابات المجرمة النار بدءاً من الأحد الماضي، بعشرات من السيارات وصل عددها إلى نحو مئة – من بينها عدد من الحافلات – في عملية منسقة امتدت إلى جميع أحياء «المدينة الرائعة»، وغايتها زرع الذعر في المدينة وامتحان قدرة الولاية والدولة وضمان تغطية واسعة لأعمالها بسبب اهتمام الإعلام المحلي والدولي نتيجة استضافة المدينة نهائي مونديال 2014 والألعاب الأولمبية عام 2016.
أما هدف العملية، فهو التشكيك بالسياسة الأمنية الجديدة التي يقوم بها حاكم ولاية ريو دي جانيرو، سيرجيو كابرال، منذ سنتين القائمة على إسكان و«حدات شرطة إحلال السلام» داخل الأحياء الفقيرة وتوفير الخدمات الاجتماعية المفقودة داخلها.
جديد هذه السياسة التي طبقت حتى الآن في 13 «فافيلا»، وشملت 200 ألف من السكان، أنها تحظى بتأييد المجتمع وتؤدي إلى اقتلاع المافيات من الفافيلا. مع الإشارة هنا إلى أن نحو ألف فافيلا في ريو يعيش فيها مليونا مواطن تقريباً، أي ثلث سكان المدينة الإدارية. وتنوي الولاية «تحرير» 100 فافيلا لغاية عام 2014.
ويبدو أن المافيات المجرمة (أشهرها في ريو دي جانيرو «الكوماندوس الأحمر» و«أصدقاء الأصدقاء») التي تسيطر على عدد كبير من السجون وتدير عملياتها التجارية من داخلها، قد عقدت هدنة في الحرب المفتوحة بينها، ووقتت عمليتها في الفترة الانتقالية التي تسبق عملية التسلم والتسليم التي ستجرى في بداية السنة المقبلة بين الرئيس لولا داسيلفا والرئيسة المنتخبة ديلما روسيف.
وتؤلف «وحدات إحلال السلام» على رمزيتها الحالية، تهديداً مباشراً لسلطة المافيات؛ إذ تحول دون عودتها إلى معاقلها واللجوء إليها هرباً من السلطات الشرعية وتحويلها إلى مناطق خارجة عن سلطة القانون. ومسؤولية الأمن في البرازيل هي من صلاحيات الولاية التي هي مخولة عند الحاجة المطالبة بمساعدة الجيش من الحكومة المركزية.
من جهته، سارع حاكم الولاية في طلب الدعم الذي لباه فوراً الرئيس لولا الموجود في غويانا للمشاركة في قمة «أوناسور»، كذلك اتصلت الرئيسة المنتخبة ديلما روسيف للتعبير عن تضامنها ولتأكيد تصميمها على الاستمرار في سياسة التعاون مع حاكم ريو بعد تسلمها السلطة.
وتمثّل العملية تهديداً مباشراً للسياسة الأمنية الجديدة، ما يفسّر قرار الحاكم بقبول التحدي.
وبدأ الرد بنقل زعماء المافيات من سجون ريو دي جانيرو إلى سجون في ولاية رورايما الأمازونية، وباقتحام فافيلا «فيلا كروزيرو»، حيث هرب نحو مئتي من عناصر المافيات المدججين بالأسلحة من الأدغال المحيطة إلى «المجمّع الألماني» في شمال المدينة وهو أحد أكبر مجمعات الفافيلات في ريو دي جانيرو.
وحسب آخر الأخبار، تسيطر القوات الأمنية التي بات يدعمها 800 عنصر من الجيش ومروحيتان وعدد من الدبابات على «فافيلا فيلا كروزيرو»، فيما مداخل «المجمع الألماني»، حيث لجأ الفارون صارت محاصرة.
وإذ يستبعد المراقبون اقتحام «المجمع الألماني» في الظروف الحالية للضحايا التي قد يخلفها بعدما بدأ المجرمون الفارون يحتلون منازل السكان الفقراء، يرون في المقابل أن الرد المنسق بين الولاية والحكومة المركزية قد يرسخ الخطط الأمنية القائمة، لا بل يسرّعها وينقل المواجهة على الأمد المتوسط إلى مستوى أعلى.
وبعكس ما تروّج له وسائل الإعلام الدولية بأن تلك الأحداث قد تهدد انعقاد المونديال أو الألعاب الأولمبية، يرى المراقبون المتخصصون بالشؤون الأمنية أن أمن هذه الاستحقاقات الرياضية الكبيرة سيتوافر بمجرد نزول الجيش إلى الشارع، كما حصل في الألعاب الأميركية عام 2007. لكنها تمثّل في المقابل فرصة للتصدي لمشاكل الأمن والمخدرات والمناطق الخارجة عن سلطة القانون المزمنة في ريو دي جانيرو وفي المدن البرازيلية الأخرى منذ عقود، حتى لو طالت فترة معالجة هذه المشاكل أكثر من موعد انعقاد المونديال والألعاب الأولمبية.