قرار إدارة باراك أوباما كان واضحاً منذ البداية: استبدال الحرب على إيران بعقوبات تستهدف تجفيف منابعها الماليّة، ما يضطرها إلى وقف دعم «المنظّمات الإرهابية» مثل حزب الله و«حماس». عقوبات أثقلت على الحركة الماليّة والتجارية للنظام الإيراني الذي يواجهها بـ«الترشيق» والاحتيال


إيلي شلهوب
مخطئ كلّ من يصدّق بعدم فاعلية العقوبات الدولية والأميركية والأوروبية المفروضة على إيران، التي إن نجحت طهران في تجنب الكثير من تأثيراتها على المستويين الاقتصادي والمجتمعي، حتى الآن، فبفعل نوعين من الأدوات: الأول ليس سوى وسائل وأساليب للتحايل على تلك العقوبات، يجري العمل بموجبها منذ بداية الثورة، لكنها تعدّل وتطوّر باستمرار وفقاً للحاجة. أما النوع الثاني، فهو عبارة عن عملية لـ«ترشيق الاقتصاد» الذي أعلن المرشد علي خامنئي قبل أشهر أنه يجب أن يتحول إلى «اقتصاد مقاوم»، يقوم على ما يظهر على مبدأي الخصخصة ورفع الدعم.
وبحسب مصادر قريبة من أروقة صناعة القرار في إيران، فإن العمل جار نحو «خصخصة 85 في المئة من المرافق العامة، وفق نظام BOT، ومن بينها قطاعات النفط والغاز التي تتداول أسهمها في البورصة، على أن تلحق بها مصافي التكرير والصناعات البتروكيميائية، علماً بأن عملية بيع المرافق العامة للقطاع الخاص جارية منذ نحو 10 أعوام»، مشيرة إلى أن «أحد أبرز مشتري المرافق العامة ليس سوى الضمان الاجتماعي الذي يتمتع بفائض في ميزانيته خلافاً للحال في الكثير من دول العالم، وذلك بسبب التركيبة الديموغرافية للمجتمع الإيراني وعماده الشباب».
وسبق أن أعلنت طهران أنها تريد جمع نحو 12.5 مليار دولار من خصخصة 512 شركة خلال عامي 2010 ـــــ 2011، بما في ذلك مصفاتا بندر عباس وعبادان وشركتان لصناعة السيارات.
ومعروف أن القانون، الذي صدر عن مجلس الشورى في عام 2008 لخصخصة القطاع العام، يشمل مؤسسات عامة تراوح قيمة أصولها بين 110 و120 مليار دولار، وهي تضم، إضافة إلى الصناعات النفطية والبتروكيميائية والسيارات، المناجم والتجارة الخارجية والشركات التعاونية والطاقة والبريد والطرق والسكك الحديدية والنقل الجوي والبحري.
وفي ما يتعلق بالاتهامات التي تقول إن معظم المشاريع التي تخضع للخصخصة تذهب إلى حرس الثورة الذي يعدّ دولة داخل الدولة، بمعنى أن الخصخصة ليست سوى عملية تمويه لنقل ملكية المرافق إلى «القطاع العام غير الرسمي»، تقول المصادر نفسها «هذا غير صحيح. نعم، شركة خاتم الأنبياء الأضخم والأقدر على تنفيذ مشاريع، لكن هذا يعود إلى كون الحرس يمتلك مئات المعدات الثقلية التي تعود إلى أيام الحرب العراقية ـــــ الإيرانية». وتضيف «إن تورط الحرس في الشأن الاقتصادي يعود إلى أيام رئاسة علي أكبر هاشمي رفسنجاني الذي طلب من حرس الثورة علناً خوض عالم الأعمال لما لديه من كفاءات وخبرات ومعدات»، مشيرة إلى أن «الحرس لم يُكلف بصناعة الأسلحة لإرضاء قادته بل لتوفير النفقات، بما لا يجبر الدولة على تحمل أعباء ضخمة في هذا الأمر كما حصل في الاتحاد السوفياتي». وتستطرد «حتى المساجد لا تبنيها الدولة من الأموال العامة بل من أموال التبرعات الخاصة. وترى أن الإنفاق على بناء جامعة أفضل مئة مرة من بناء مسجد».
وبموازاة الخصخصة، هناك خطة رفع الدعم التي بدأ تنفيذها تدريجاً قبل أشهر على أن تُستكمل خلال خمس سنوات، والتي تبقى الأكثر فاعلية وخطورة في الوقت نفسه على النظام في إيران، حيث يُعتقد أنها سيف ذو حدّين، يمكن أن «يؤدي دور عامل استقرار ونمو وعدالة، كما يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات تتهدد الثورة برمتها إذا نُفّذت بنحو خاطئ».
وتقول المصادر «وصل القيمون إلى اقتناع بأن الدولة تتكلف مئة مليار دولار سنوياً (نحو ثلث الناتج المحلي) من أجل دعم مجموعة من السلع الاستهلاكية التي يستفيد منها الغني والفقير، بل إن أكثر من 70 في المئة من مخصصات الدعم تذهب إلى الطبقة المترفة التي تؤلّف ما يعادل 30 في المئة من المجتمع، وفي مقدمة هذه السلع البنزين والكهرباء». وتضيف «لذلك، ارتأت القيادة في إيران البحث عن بديل لهذا الدعم يلبّي حاجة الفقير من دون أن يهدره الغني، ويؤدي إلى توفير نحو 40 مليار دولار حدّاً أدنى»، فجاءت على النحو التالي: تقسيم المجتمع الإيراني إلى عشر فئات، من الأكثر فقراً للأكثر غنى، على أن يُفتح حساب لكل مواطن في المصرف، وتوضع مبالغ مالية في كل حساب بدلاً من الدعم الذي سيُرفع عن السلع في موعد لا تزال السلطات تتردد في تحديده، على أن يوزع بدل الدعم على نحو تنازلي: الحصة الأكبر للفئات الأكثر فقراً، إلى أن يصل إلى صفر عند الفئات الأكثر غنى.

كُلّف الحرس صناعة الأسلحة لتوفير النّفقات كي لا تتكرّر تجربة الاتّحاد السوفياتي
تفاصيل هذه الخطة لا تزال تخضع للنقاش في مجلس الشورى حيث لم تقرّ بعد. ومع ذلك، وضعت الدولة في حساب كل مواطن إيراني، بالتساوي، نحو 160 دولاراً عن شهرين (80 دولاراً عن كل شهر)، لا يمكن سحبها إلا عندما يُرفع الدعم فعلياً.
ويشكو مواطنون إيرانيون من أن المبلغ الذي تدفعه الدولة لقاء رفع الدعم لن يغطي قيمة زيادة الأسعار والتضخم المتوقعين من تنفيذ هذه الخطوة.
ويترافق مع ذلك توزيع بطاقات على جميع المواطنين تتيح لهم شراء 60 ليتراً من البنزين شهرياً بالسعر المدعوم (أي 10 سنتات لكل ليتر). وأي استهلاك إضافي يشتريه المواطن بسعر مضاعف أربع مرات (40 سنتاً). وذلك في مرحلة أولى يفترض أن تنتهي بعد نحو شهرين يصبح بعدها البنزين كله غير مدعوم. وكانت الحصة المدعومة، التي يمكن شراؤها بالبطاقة، 120 ليتراً قبل نحو سنة، قد خفضت إلى 100 ثم 80 والآن 60 ليتراً.
وتقول المصادر نفسها إن «رفع السعر قلّص حجم الطلب الداخلي كما جعل تهريب هذه السلعة إلى خارج البلاد عالي المخاطر وقليل الفوائد، ما يعني ارتفاعاً في العرض. ومع التحسينات التي أدخلت على المصافي التسع في البلاد والتي زادت من إنتاجيتها، حققت إيران اكتفاءً ذاتياً من البنزين، وتخلصت الدولة من نحو ستة مليارات دولار كانت تدفعها سنوياً لدعم هذه المادة».
أما بالنسبة إلى الكهرباء، فجرى «التفريق بين الاستهلاك المنزلي والاستهلاك المنتج غير المدعوم. كما وُزّعت الفاتورة إلى أشطر تصاعدية، إذا قلّ الاستهلاك عن كمية معينة، لا تُستوفى الفاتورة أصلاً، وفي الشطر الثاني توزع قيمة الاستهلاك بين المواطن والدولة على أنه دعم تذكر قيمته على الفاتورة. ومع ارتفاع الاستهلاك عن حد معين، لا يُرفع الدعم فقط، بل يزيد سعر الكهرباء». وإضافة إلى الكهرباء والبنزين، تطاول خطة رفع الدعم الماء والديزل والكيروسين وزيت الوقود وغاز البترول والغاز الطبيعي.
وتشير المصادر إلى أن عملية «ترشيق الاقتصاد» طاولت العديد من الأمور الأخرى، مثل توفير في الطاقة عن طريق فرض الجدران المزدوجة والزجاج المزدوج في كل الأبنية الجديدة، «ما يعني تشغيلاً أقل للمكيفات في الصيف وأجهزة التدفئة في الشتاء، بما ينعكس توفيراً في استهلاك الطاقة». وهناك أيضاً «اقتصاد في استهلاك السكّر الذي كانت تشتريه الدولة للموظفين في الدوائر الحكومية. رأى (الرئيس محمود أحمدي) نجاد أن السكّر يؤذي الأسنان ويكلف الدولة أموالاً لا داعي لها، كما أنه لا يتناسب والتقاليد الإيرانية، فكانت تعليماته: عليكم بالفاكهة المجففة، التي باتت الدولة تشتريها من المزارعين الإيرانيين لتحلية المشروبات في الدوائر الحكومية، حيث بات على كل من يريد السكر أن يشتريه بنفسه».
وتشير تقارير الخبراء الاقتصاديين إلى أن معدل الراتب الشهري لشرائح واسعة من الشعب الإيراني يلامس حدود 500 دولار، فيما الحد الأدنى من المتطلبات الحياتية لأسرة مؤلفة من أربعة أفراد يفوق 1000 دولار شهرياً.
إلا أن مصادر مقيمة في طهران تؤكد أن مستوى المعيشة ليس واحداً في إيران كلها، بل حتى في العاصمة نفسها. وتقول «إن الأسعار في شمال طهران الغني، على سبيل المثال، ضعف مثيلاتها في الجنوب الفقير. كذلك الأمر بالنسبة إلى الفرق بين العاصمة والمحافظات حيث المعيشة تتكلف أقل من نصف ما تتكلفه في طهران، علماً أن غالبية الشعب الإيراني تقيم في المحافظات، ذلك أن إيران لم تشهد نزوحاً نحو المدينة على غرار ما حصل في بلدان أخرى». وتضيف «صحيح أن كل شيء متوافر في إيران، ولا يشعر المواطن بوجود مشكلة اقتصادية، لكن هذا لا ينطبق على كل الشعب، إذ لا شك في أن الفقراء منه يعانون، وهو الأمر الذي تسبب للرئيس نجاد بتلك الحملة التي شنها عليه الإصلاحيون والمحافظون على حد سواء على قاعدة فشل خطته الاقتصادية».
ولعل الأرقام الاقتصادية الصادرة من إيران الأكثر هي تعبيراً عما يجري: معدل النمو الاقتصادي السنوي ارتفع من 4.6 في المئة عام 2005 ليلامس الـ8 (7.8) في المئة في 2007، لينخفض إلى 1.03 في 2008 بفعل الأزمة الاقتصادي العالمية وتهاوي أسعار النفط، ويحافظ على المعدل نفسه تقريباً في العامين التاليين (1.05 في 2009 و1.5 في 2010) بفعل تشديد الحصار والعقوبات الدولية منها والأميركية والأوروبية. أما معدل التضخم فقد ارتفع من 10.4 في المئة في 2005، ليتجاوز الـ 25 في المئة في 2008 قبل أن يعود وينخفض إلى مستوى الـ10.8 في المئة في 2009 و9.5 في المئة في 2010.


حراك برلمانيّ ضدّ نجاد

تشير المعلومات الواردة من إيران إلى حراك برلماني قوامه 41 عضواً برلمانياً محسوبين على الخط المحافظ «المعتدل» الذي يمثّله رئيس البرلمان علي لاريجاني، يستهدف توقيع عريضة اتهام للرئيس محمود أحمدي نجاد، موجهة إلى المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي، مستندة إلى السياسة الاقتصادية للحكومة ورفع الدعم عن السلع الاستهلاكية. وقال رئيس لجنة الموازنة في البرلمان، موسى رضا سرفاتي، إن العريضة تحتاج الى 74 توقيعاً من أجل المباشرة بجلسة نيابية لمحاسبة نجاد. لكن النائب الياس ناديران المحافظ، قال لمحطة «جام جام» التلفزيونية الحكومية «لم أوقع هذه الرسالة ولا أعرف شيئاً عنها». وتشير التقارير الى أن العقوبات الاقتصادية وضعت الحكومة الايرانية تحت ضغوط هائلة، الأمر الذي عمّق الشروخات بين النخب السياسية خلال السنوات الخمس الأخيرة.
(الأخبار)


طهران لا تزال تعتمد على السّوق السّوداء: ربحت تركيّا ما خسرته دبييبدو أن إيران باتت تمتهن حرفة الالتفاف على العقوبات، التي بدأت تُفرض عليها منذ الأيام الأولى للثورة. شبكات «إيرانية» وأخرى «صديقة» تنتشر في أصقاع الأرض كلها، توفّر لطهران كل ما تطلبه من السوق السوداء، ولو بسعر أعلى. أما الواحات المالية والتجارية الآمنة، فلا تزال مضمونة: كانت تتمركز في دبي، أما الآن فالأراضي التركية كلّها جنّات آمنة
تقول المصادر القريبة من أروقة صناعة القرار في طهران إن «الإيرانيين تعلّموا الكثير من الحرب العراقية ـــــ الإيرانية لتجاوز الحصار المفروض على بلادهم. وقتها، كانوا يحصلون على معظم حاجاتهم من السوق السوداء. واليوم، لا تزال هذه السوق موجودة ويُستفاد منها، لكن الجديد أن الجمهورية الإسلامية استطاعت خلال المرحلة الماضية توفير مستوى من الإنتاج المحلي من السلع من مختلف الأنواع يغطّي حاجتها الاستهلاكية ويزيد».
وتلفت المصادر، وهي من كبار رجال الأعمال الإيرانيين، إلى أن «الغالبية العظمى من المواد الموجودة في السوبرماركت الإيراني، بما فيها الكماليات، من إنتاج محليّ. صحيح أنه لا يضاهي في جودته المستورد، لكنه موجود، علماً بأن البضاعة الأجنبية موجودة هي أيضاً لكن بأسعار مرتفعة لكونها جاءت عن طريق السوق السوداء. المهم في كل ذلك أنه بات ممكناً للإيراني أن يعيش كلّياً على السلع محلية الصنع».
وتضيف المصادر نفسها «لا مشكلة في الزراعة، الإنتاج من القمح يفيض عن الحاجة، وهناك استيراد لبعض كميات الأرز نظراً للكمية الكبيرة التي يستهلكها الإيراني من هذه المادة. كذلك الأمر بالنسبة إلى الحليب، الذي يوزع على المدارس، ومشتقاته، وحتى السيارات التي يُنتج معظمها في إيران ويُستورد بعضها»، لافتة إلى أن «من أبرز علامات الاستقرار الاقتصادي، استقرار العملة، رغم تذبذبها في بعض الأحيان، والقدرة على تبادلها بحرّية في أيّ مكان في إيران، فضلاً عن كون البلد يمتلك احتياطاً ضخماً من الذهب إلى الحدّ الذي يمكّن الإيرانيين من التأثير على سعر هذه المادة على المستوى العالمي». وتوضح المصادر أن «لا أحد يعرف بالضبط حجم احتياط الذهب، الذي وجد فيه الإيرانيون خير ضمان لأصولهم المالية فأتوا به بالطائرات من سويسرا، بحسبانه من الأمور السرية، لكن هناك مؤشراً على قيمته، عبّر عنه نجاد بقوله قبل أيام إن لدى طهران من الاحتياطي أكثر من مئة مليار دولار».
وبالحديث عن العملة الصعبة، تؤكد المصادر أن «لا خوف على الاحتياطي من هذه العملة التي ستبقى تدخل إيران ما دامت هذه الأخيرة تصدّر النفط»، مشيرة إلى أن «طهران وقّعت مع بكين اتفاقات لتبادل تجاري بالعملة المحلية وهي تطرح هذه الفكرة على دول أخرى». من هذه الدول، تشير المصادر إلى كوريا الجنوبية «التي وجدت سلطاتها أن هناك مجموعة من الشركات تتعامل مع إيران، لكنها تجد مشكلة في قبض أموالها لما يمثله الحصار المصرفي من معوقات لطهران، لذلك تدخلت الدولة الكورية وأبرمت اتفاقات نفطية مع الجمهورية الإسلامية بنحو تستورد فيه سيول نفطاً إيرانياً، وعوضاً عن دفع ثمنه نقداً مع ما يحتاج ذلك من فتح اعتمادات نفطية، تدفع هذا الثمن للشركات الكورية وتحتسبه من الديون الإيرانية لها».
وتقول المصادر نفسها «صحيح أن دبي أقفلت على إيران، ولم تعد تؤدي دور ممر الترانزيت والجنّة الآمنة للشركات والمصارف الإيرانية التي تعمل بغطاء إماراتي، لكن سرعان ما أخذت تركيا مكانها».
وبحسب الأرقام الصادرة في دبي، حيث يقيم نحو 400 ألف إيراني، فإن قرار سلطات الإمارة وقف تعاونها مع طهران قد أدى إلى تقليص حجم التجارة البينية، التي لامست الـ10 مليارات دولار سنوياً، بنحو 80 في المئة، ما أثار غضب رجال الأعمال الإماراتيين الذين نقلوا احتجاجهم إلى حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.
وتوضح المصادر أن أنقرة «قدمت لإيران مرفأين، بينهما ميناء مرسين، من لاستخدامهما في تسهيل عمليات الترانزيت إلى الجمهورية الإسلامية، علماً بأن دبي كانت حلقة وصل مع الشرق الأقصى فيما تركيا حلقة وصل مع أوروبا». وتضيف «هناك منطقة حرة قيد الإنشاء بين تركيا وإيران، يفترض أن ينتهي العمل بها خلال أشهر، مع ما يعنيه ذلك من فتح للحدود بين البلدين. وثمة قرار تركي برفع التبادل التجاري بين البلدين من نحو10 إلى 30 مليار دولار خلال 5 سنوات»، لافتة إلى أن «هناك أيضاً حدوداً برية آهلة بطول 1200 كيلومتر تربط إيران بالعراق، تلك السوق العطشى. صحيح أن هناك خوفاً من أن التصدير إلى بلاد الرافدين يمكن أن يرفع الأسعار في الجمهورية الإسلامية، لكن الفكرة هي أنّ من يستطيع أن يصدّر إلى بلد يمكنه أن يستورد منه».
وتشير المصادر نفسها إلى أن «الصين تركّب رافعات ضخمة في ميناء بندر عباس، والتي حال عدم وجودها خلال الفترة الماضية دون قدرته على تفريغ سريع للسفن الضخمة، ما يؤدي إلى ارتفاع كلفة البضائع التي تحملها وبالتالي اضطرارها إلى اللجوء إلى ميناء دبي، حيث تفرّغ حمولتها في سفن أصغر حجماً لنقلها إلى بندر عباس». وتتابع « إن سلطنة عمان ناشطة في القيام بوساطات بين إيران والآخرين، فضلاً عن أن مصارفها تؤدي الدور الذي كانت تؤديه مصارف دبي»، كاشفة عن أن «ماليزيا، حيث تجاوز عمر الاستثمارات الإيرانية الـ20 عاماً وتستوطنها الآلاف من العائلات الإيرانية، مثلها مثل تركيا، لا تخضع للضغوط الأميركية».
وتشيد المصادر نفسها بالرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز الذي «قدم لإيران أسطوله القديم من الطائرات الأميركية الصنع قطع غيار، بعدما حوّل بلاده نحو السلاح الروسي. كذلك فعل بالنسبة إلى قطع الغيار الخاصة بمصافي النفط».
وبالنسبة إلى الحصار المصرفي، تقول المصادر نفسها إن «المشكلة الأساسية هي في فتح الاعتمادات. ما يحصل أن المصارف الأوروبية لم تكتف فقط بمقاطعة المصارف الإيرانية الرسمية المدرجة في لائحة الحظر، وهي مللي ومللت وصادرات إيران، بل قاطعت بمبادرة ذاتية باقي المصارف الإيرانية الخاصة غير المدرجة، تحت عنوان خوفها من عرقلات في النظام المصرفي الأميركي. باختصار، لا تريد وجع رأس». وتضيف أن «المصارف التي لم يدخل الخوف أروقة مجالس إدارتها هي المصارف الفرنسية المعتمدة إيرانياً لفتح اعتمادات نفطية في مقابل عمولات، والمصارف الأوروبية التي تسيطر المساهمات غير الأوروبية، الليبية على سبيل المثال، على رساميلها».
وفي إشارة إلى الجهود التي تبذلها إيران لمقاومة الحصار، تلفت المصادر إلى خط أنابيب بطول 1200 كيلومتر يجري بناؤه حالياً لنقل الغاز الإيراني إلى الهند عبر باكستان. تقول إن «خاتم الأنبياء (وهي شركة مقاولات تابعة لحرس الثورة) تتولّى مدّ نحو ألف كيلومتر من هذا الخط ضمن الحدود الإيرانية بانتظار استكماله. هناك ضغوط أميركية على باكستان لعرقلته، إذا نجحت، فلا مشكلة أبداً، يمكن استخدام الجزء الذي أنجز في تزويد الشمال الإيراني بالغاز، وخصوصاً أن هذه المنطقة عانت نقصاً من هذه المادة الحيوية خلال فصول الشتاء في الفترة الأخيرة. أما الهند العطشى إلى الغاز، فقد تعهدت دفع ملياري دولار لبناء منشأة تسييل الغاز (تحويله إلى سائل) ونقله إليها بواسطة البواخر».


بعيون غربية

تحدثت الصحف الغربية، قبل يومين، عن خلاف دائر بين حكومة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، والبرلمان برئاسة علي لاريجاني، بشأن خطة رفع الدعم عن المواد الاستهلاكية.

«نيويورك تايمز»

نفى علي لاريجاني وبعض أعضاء البرلمان موافقة لجنة خاصة ألّفها مجلس الشورى على بيان اتهامي كهذا. وتتضمن المخالفات الاقتصادية خلال ثلاث سنوات الاستيراد الممنوع للغازولين والديزل، بقيمة ما يقارب 10 مليارات دولار، والفشل في محاسبة محمود أحمدي نجاد على صرف 40 في المئة من الإيرادات خلال جولاته الكثيرة على المناطق.

«وول ستريت جورنال»

تحت عنوان «البرلمان يسعى إلى إبعاد نجاد»، كتب فاناز فاشيهي، أن البرلمان يريد اتهام نجاد، لكن المرشد الأعلى (الصورة) تصدّى لذلك. وأكد فاشيهي أن «الكلمة الأخيرة هي للمرشد الأعلى الذي يقف خلف نجاد، فالسلطات العليا (خامنئي) تدعم الرئيس في معركته مع البرلمان».

«التايم»

الصراع الأكثر إثارة في إيران ليس بين الإصلاحيين في الحركة الخضراء والمؤسسة المحافظة، بل بين المحافظين «المبدئيين» على غرار لاريجاني والمحافظين المتشددين الممثلين في الحكومة. الصراع يدور حول ثلاثة أمور: خلاف شخصي على السياسة الاقتصادية والوضع الخارجي. المحافظون المتشددون، التابعون لنجاد، صرفوا كمية من مداخيل النفط على فقراء إيران، حيث تكمن شعبية الرئيس. لكن المبدئيين يريدون استثمار مداخيل النفط في البناء والبنى التحتية وفي اتجاهات أخرى لتعزيز الاقتصاد الذي بدأ يضعف، حتى قبل فرض العقوبات الدولية في حزيران الماضي. وفي الشأن الخارجي، يفضّل المبدئيون وضعاً دولياً أقل سوءاً ـــ لقد أربكتهم تصريحات نجاد بشأن نفي وقوع الهولوكوست ـــ أيضاً ليس واضحاً بأنهم (المحافظون) مستعدون للتفاوض مع العالم حول البرنامج النووي الإيراني. عارض لاريجاني ومعظم المبدئيين اتفاق تبادل الوقود النووي الذي تفاوضت إيران بشأنه مع الدول الست في فيينا العام الماضي.