أنقرة| كلّما تقدم النقاش الإيجابي في تركيا بشأن إحدى الأزمات الكبيرة، حصل شيء ما يعيد المشكلة إلى ما قبل نقطة الصفر. وبعد فترة تفاؤل غير مسبوقة عاشتها البلاد في الأشهر الماضية، مع اعتراف الدولة بأنها تفاوض زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في سجنه، انفجرت الأمور انفجاراً تاريخياً قبل أيام، مع إعلان أكراد تركيا وثيقة هي أكبر من دستور، تنظّم شؤون أكراد تركيا وسوريا وإيران والعراق في إطار «حكم ذاتي ديموقراطي» لأكراد الشرق الأوسط.

قنبلة فجّرها أكراد تركيا في مؤتمر موسّع لتجمّعهم الأشمل «مؤتمر المجتمع الديموقراطي»، الذي يضمّ جميع أطياف المجتمع الكردي التركي، سياسياً من خلال حزب «السلام والديموقراطية»، واجتماعياً من خلال تمثيله عشرات منظمات المجتمع المدني والنقابات ورجال الأعمال والفنانين والمفكرين والأدباء... وبسرعة البرق، نُسيَت كل الأزمات الأخرى، ليعود جدول أعمال السجال السياسي محصوراً بـ«الانفصال الكردي»، وهو ما أدّى إلى خروج الرؤوس الحامية من أوكارها، مع فتح دعوى لإغلاق حزب «السلام والديموقراطية» في المحكمة الدستورية، ودعوات لمقاضاة جميع من شاركوا في لقاء «مؤتمر المجتمع الديموقراطي» بديار بكر، وسط حملة سياسية معادية للأكراد توحّدت فيها أحزاب المعارضة مع الحزب الحاكم.
وجاء طرح «الحكم الذاتي الديموقراطي» الكردي كبلورة لـ«نظرية» أوجلان الشهيرة، عن الكونفدرالية الكردية العابرة للحدود التركية ـــــ السورية ـــــ العراقية ـــــ الإيرانية. بموجبها، سيبقى الأكراد في الدول الموجودين فيها حالياً، لكن على أن يكون بين مكوّناتهم المنتشرة في هذه الدول الأربعة وحدة يعبّر عنها اتحاد كونفدرالي، وبرلمانات محلية، وإدارات محلية، ولغة (كردية) خاصة، ونظام اجتماعي ـــــ اقتصادي ـــــ ثقافي (اشتراكي)، وقوّات للدفاع عن النفس في المناطق الكردية، واقتصاد مستقل، وأعلام منفصلة في إطار كونفدرالية «ستحمل الديموقراطية إلى الشرق الأوسط بكامله وحلولاً لجميع مشاكله». كلام يُنتظَر أن يسبّب قريباً أزمات وطنية ستتجاوز على الأرجح الحدود التركية.
وبحسب الوثيقة الضخمة الصادرة عن مؤتمر ديار بكر، فإنّ «الحكم الذاتي الديموقراطي»، الذي يجب البدء بتطبيقه في تركيا، سيطوّر العلاقات بين مختلف القوميات التي تعيش في «كردستان»، من دون الوقوف عند الحدود التي تفصل بين الدول الأربعة. ووفق الوثيقة، «حين تُحلّ الأزمة الكردية، ستُحَلّ جميع أزمات الشرق الأوسط»، من دون الإتيان على ذكر القضية الفلسطينية، ولا المشاكل الأخرى ذات الأبعاد المتعددة.
وتشير مقدمة «الدستور» الكردي إلى أن الحكم الذاتي يجب أن يُطبَّق في الجمهورية التركية من ضمن مسار يعتمد الحوار، انطلاقاً من مبدأ أنه سيعمّق الديموقراطية، «وسيغيّر العقلية الصارمة للجمهورية التي تثقل كاهل المجتمع التركي وتعوق تطوّر الشعب، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً». وستكون هذه الصيغة نوعاً من «العقد الاجتماعي الجديد مع الدولة، من دون تغيير الحدود، لكن في سياق تعزيز الأخوّة بين الحدود الجغرافية الحالية». وتتابع الوثيقة أنّ «النموذج الذي نطرحه هو نموذج لدمقرطة المنطقة، ويمكن تطبيقه في مختلف أنحاء تركيا، لا في المناطق الكردية حصراً. في كل مكان في العالم، تسود الميول نحو الإدارة الذاتية وتعزيز أنظمة الحكم الفدرالي». وتقترح نظاماً سياسياً ديموقراطياً يقوم على برلمانات للقرى والبلدات والمدن على أسس كونفدرالية، يرأسها «مؤتمر المجتمع الديموقراطي» الذي يرسل مندوبيه ليكونوا نواباً عن الأكراد في البرلمان التركي، على أن تكون قوانين «الحكم الذاتي الديموقراطي» وبنيته معترَف بها من قبل الجمهورية التركية والاتحاد الأوروبي كذلك.
ومن أكثر البنود إثارةً للجدل في الوثيقة، ما يتعلق بتنظيم قوات للدفاع عن النفس، «ليس فقط في وجه التهديدات الخارجية، بل أيضاً لحماية الحكم الذاتي من المخاطر الداخلية (التركية) المعادية لقيم مجتمعنا». كذلك يجب أن يكون استغلال الموارد والثروات الطبيعية في المناطق الكردية في خدمة شعب هذه المناطق، على أن تكون آليات الإنتاج «صديقة للبيئة».
ومثلما كان متوقَّعاً، تحرّكت المحكمة الدستورية على الفور لمحاكمة حزب الأكراد الممثَّل في البرلمان بعشرين نائباً، «السلام والديموقراطية»، بهدف إغلاق الحزب. وحمّل الحزب اليميني المتطرف المعادي للأكراد، «الحركة القومية»، الحزب الحاكم «العدالة والتنمية» مسؤولية «تجرّؤ» الأكراد على طرح هدف الحكم الذاتي من خلال «خطة الانفصال الديموقراطي»، في إشارة إلى «خطة الانفتاح الديموقراطي». وحذا أكبر أحزاب المعارضة، «الشعب الجمهوري»، حذو الحزب الفاشي في مهاجمة المشروع الكردي، وهو ما فعله «العدالة والتنمية» عندما رأى أنّ حزب «السلام والديموقراطية» قد «تخطّى كل حدوده».