أن يعلن الرئيس الروسي ديميتري مدفيديف نية، لا بل مخطّطاً لاستعادة نفوذ الاتحاد السوفياتي من خلال إعادة نشر القواعد العسكرية البحرية في عدد من الدول، هو ليس مجرّد عرض عضلات، بل توجّه جديد لوضع بلاده على المسرح الدولي. مدفيديف قال، خلال لقائه ضباطاً في منطقة نيجني ـــــ نوفغورود، «لا أخفي أن لدينا بعض الأفكار بشأن الموضوع، لكنني لن أكشف عن المكان لأسباب واضحة».


إلّا أنه اعترف، آسفاً، بأن «بعض الإمكانيات التي كانت بلادنا تملكها في السابق قد زالت»، موضحاً أن «من المكلف جداً، وغير الفعال، أن تُلحق سفن إمدادات بالسفن الحربية».
قد يكون إعلان مدفيديف هذا زلّة مقصودة من شأنها استفزاز ردود فعل الدول، وذلك رغم طمأنتها في الوقت نفسه، من خلال إعلان تواضع قدرة روسيا في هذا المجال. إلا أن الإعلان لا شك في أنه سيثير القلق في نفوس كل الذين يحسبون حساباً لطموحات الروس، وإصرارهم على البقاء في الطليعة. وليس الاستدلال برائد الفضاء الأول في العالم، الروسي يوري غاغارين، من فراغ، وخصوصاً حين تحول الأخير إلى بطل قومي، وإحدى الشخصيات الأكثر تأثيراً لدى الروس.
كان لنهاية الاتحاد السوفياتي الكلمة الفصل في موقع روسيا الجديد على الساحة العالمية. انهيار انسحب على جميع القطاعات، وكان للجانب المالي أثره في الميدان العسكري. فالاتحاد، الذي كان يملك قواعد عسكرية في 16 دولة (منها كوبا ومصر والجزائر وسوريا وإثيوبيا واليمن وأنغولا وغينيا وليبيا وتونس ويوغوسلافيا وفييتنام)، لم يبق له سوى اثنتين: قاعدة سيباستوبول في البحر الأسود في أوكرانيا، وطرطوس على ساحل البحر الأبيض المتوسط في سوريا.
في عام 2000 وصل فلاديمير بوتين إلى سدّة الحكم في روسيا. وصل مقطّب الجبين، كأنه يعلن إعادة ضبط الانفلات الذي رافق الانهيار، ووضع نصب عينيه هدفاً هو إعادة بناء القوة العسكرية. لكنّ الإشارات إلى نشر قواعد عسكرية بدأت في العام الماضي، حين أعلنت موسكو أنها تنوي تحديث منشآتها في طرطوس بحلول عام 2011، فيما اتفقت على تجديد عقد إيجار القاعدة الروسية في شبه جزيرة القرم في البحر الأسود لمدة 25 سنة، بعد نهاية المهلة في سنة 2017. وقد نقلت وكالة «إيتار تاس» عن مصادر عسكرية قولها إن روسيا قررت إقامة قواعد بحرية في ليبيا واليمن.
جاء إعلان الأمر من قبل مدفيديف، بعد أيام قليلة من مشاركته في قمة حلف الأطلسي في لشبونة، التي شهدت خرقاً استراتيجياً تمثّل في دعوة الحلف روسيا إلى المشاركة في الاجتماع، الذي ناقش وأقرّ استراتيجية الحلف الجديدة للسنوات العشر المقبلة.
قال مدفيديف كلمته وصمت، فيما لم يصدر تعليق عن الولايات المتحدة وحلف الأطلسي. إلّا أن هذه الخطوة تشبه إلى حدّ بعيد سكب ماء بارد على رؤوس الخصوم القدامى، الذين لا شك في أن خشيتهم من الدب الروسي لم تخفت ولن تخفت.
وفي ماورائيات هذا الإعلان، تقول ليليا شفستوفا، المتخصصة في الشؤون الروسية في مركز «كارنيغي»، لـ«الأخبار»، إنه «في ظل إعادة إحياء العلاقات الروسية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبدء نموذج جديد من العلاقات مع حلف شمالي الأطلسي، يريد الثنائي الحاكم في روسيا بوتين ـــــ مدفيديف أن يؤكد أن هذه السياسة لا تعني استسلاماً للنموذج الروسي السابق. فقد بُني هذا النموذج على الطموحات النووية العالمية من منظور القوة العظمى». وأضافت «يمكن توصيف هذه السياسة كأنها ركوب حصانين في اتجاهين متعاكسين»، مشيرة إلى أن «هذا الإعلان يقوّض الشراكة بين روسيا والحلف».
وتابعت شفستوفا أن السؤال الذي يجب طرحه هو: «من تستهدف القواعد البحرية هذه؟». ورأت أن هذا الخيار يعبّر عن «عقلية جيوسياسية قديمة جداً، وهو بمثابة العودة إلى عقلية القرن الـ20». وأشارت إلى أن الدولة لتصبح قوة عالمية لا تحتاج إلى قواعد كهذه.
وفيما تجاهلت شفستوفا امتلاك الولايات المتحدة لقواعد عسكرية في العالم، يقول المتخصص في الشأن الروسي، أديب السيد، إن إعلان مدفيديف يأتي على خلفية الهواجس التي لا تزال موجودة لدى روسيا حيال حلف شمالي الأطلسي والولايات المتحدة، رغم تحسّن العلاقات.
زيادة التحركات الحربية الأميركية ووثائق «ويكيليكس»، ضاعفا حجم الشكوك، بحسب السيّد، فبات على الجانب الروسي البحث عن قواعد برية وبحرية في محاولة لتصحيح الخطأ الذي ارتكبته روسيا، باعتراف جنرالاتها، حين انسحبت من قاعدتي كوبا وفييتنام.
ولدى السيّد ما يؤكده لدعم هذه الهواجس، إذ يقول إن «حلف الأطلسي يهدف من وراء الدرع الصاروخية إلى التقليل من فعالية الترسانة النووية الروسية، من خلال القدرة على تعطيلها». ويرجّح أن تعمد روسيا إلى نشر هذه القواعد في فنزويلا وشمال أفريقيا وشمال القوقاز (أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية)، إضافة إلى توسيع ميناء طرطوس.
ورداً على سؤال عن الإمكانيات الروسية المالية والعسكرية، يقول السيّد إنه «عندما يتهدّد الأمن القومي الروسي، فلن يكون هناك حساب للتكلفة، بل ستعمد روسيا إلى طمأنة الشعب الروسي حيال التهديدات الخارجية»، مؤكداً في الوقت نفسه أن روسيا تملك ما يكفي من الموارد.
يقول السير والتر رالي (1552 ـــــ 1618) إن «أولئك الذين يملكون البحر يملكون الرقابة على التجارة العالمية، فيما امتلاك التجارة العالمية يعني السيطرة على الأرض وثرواتها، ويجعل من الممكن تدمير سفن العدو». وقد حان الوقت لإعادة هذه المقولة إلى الميدان مجدداً.