لحظة الانفجار في مرفأ بيروت تحوّلت إلى نقطة مفصليّة في تاريخ لبنان كاشفة مواطن ضعفه وفساده للعالم. أيضاً، فتحت هذه اللحظة المجال للتسويات السياسية مع تدخّل الدول للوساطة عشية انتخابات أميركية مرتقبة. أما إعادة إعمار المرفأ، وإذ تُشكّل إحدى مفاصل التحوّل في البلاد، تتعلق بمجموعة اعتبارات اقتصادية وجيوسياسية.


مرفأ في عصر الحروب التجارية
أولاً، أضحت توقعات نموّ الطلب على النقل البحري أكثر صعوبة في ظل الركود الاقتصادي في ظل وباء كوفيد-19. والتحولات في هذا القطاع ومعها دور المرافئ في التجارة الدولية، نابعة من تطورات العولمة وانتشار السياسات الحمائية التي توثّر بحدّة على تبادل السلع في ظل إعادة صياغة سلاسل الإنتاج في اتجاه التموضع الإقليمي والبدائل التكنولوجية والتركيز على السياسات القومية. وبدأت ملامح هذا الأمر تظهر منذ 2018 مع تراجع نموّ التجارة الدولية بسبب حرب الرسوم التجارية بين الصين والولايات المتحدة. فقد انخفضت نسبة نمو التجارة البحرية إلى 2.7% من ـ4.1% مسجلة في العام السابق.
وخلال عام 2019 هوت إيرادات مرفأ بيروت بنسبة 13% إلى 208 ملايين دولار في ظلّ انخفاض عدد السفن التي رست فيه وكمية البضائع التي تم نقلها عبره. وبغضّ النظر عن أسباب هذا التراجع في ظلّ الأزمة الاقتصادية المحلية، فإن البحث الجديّ عن فلسفة لمرفأ جديد، عليه أن يأخذ هذه المعطيات في الاعتبار ومعها دوره الإقليمي وارتباط لبنان الحيوي بسوريا.



هل تُصبح طرابلس المحور؟
ثانياً، وضعية لبنان في صياغة سياساته الوطنية وخياراته الاقتصادية. فالمعروف أن السياسات الاقتصادية التي اعتُمدت خلال العقود الثلاثة الماضية، أدّت إلى تركيز النشاط الاقتصادي في العاصمة وإهمال الأطراف، علماً بأن انكشاف لبنان عبر ساحل غير متقطّع على البحر الأبيض المتوسط، يمنحه تنافسية عالية. هنا يدخل مرفأ طرابلس في المعادلة. في الأحوال العادية تعادل معدلات التشغيل المحقّق في هذا المرفأ ثلث المسجل في بيروت، لجهة البضائع المستوردة والمصدّرة، ويؤكّد مشغّلو مرفأ طرابلس أنه قادر على تحمّل أعباء التشغيل الإضافي بسبب خروج مرفأ بيروت من الخدمة، لكن هناك تساؤلات حول استدامة حلّ كهذا في ظلّ المركزية القائمة. أكثر من ذلك، تلعب الأكلاف الناتجة عن النقل عبر الشبكات الداخلية دوراً مهماً في تحديد الجدوى الاقتصادية العامة لعمل المرافئ وسط تركّز النشاط الاقتصادي والاستهلاكي في بيروت وجبل لبنان. لذا، هناك حسابات مهمّة ضرورية قبل رسم واقع جديد على الخريطة التجارية في البلاد، وهي تشمل الانعكاسات الاقتصادية على مستوى التشغيل، علماً بأن الأبحاث في هذا المجال تخلص إلى أن كل وظيفة مباشرة في المرفأ مرتبطة بتوليد ما بين ثلاث وخمس وظائف غير مباشرة في الدورة الاقتصادية المناطقية التي ينتمي إليها.

إعادة الإنشاء: قطاع خاص وسياسة دولية
ثالثاً، كلفة إعادة الإنشاء وفلسفة التشغيل والتمويل. فلم يكد الدخان يهدأ بعد الانفجار حتى بدأ التهامس حول الخيارات الاستثمارية. هناك أفكار تنحو إلى فصل الاستثمار والتشغيل عن الدولة عبر عقود بناء وتشغيل ونقل (BOT)، وهو نوع من الخصخصة المؤقتّة يضمن، بحسب مناصريه، تشييد المرفق بتمويل خاص وتشغيله ثم نقل ملكيته إلى الدولة. الاعتبارات السياسية دخلت بدورها على الخط مع عرض قدّمه نائب الرئيس التركي فؤاد أوكتاي خلال زيارة بيروت، استعداد أنقرة للمساعدة في إعادة بناء مرفأ بيروت بالتعاون مع مرفأ مدينة مرسين. كل ذلك من شأنه أن يُحتم ارتهانات سياسية، أو للقطاع الخاص، درجتها معلّقة بقدرة الدولة القوية على التفاوض واستراتيجية التعامل مع الخدمات العامة. كذلك هناك كلفة إعادة إعمار مرفأ بيروت المقدّرة وسطياً بنحو 7 مليارات دولار بالاستناد إلى قاعدة بيانات المشاريع الاستثمارية التي تُنفّذ في إطار مبادرة الحزام والطريق التي تسعى الصين عبرها إلى تعزيز وجودها الجيواقتصادي العالمي. استثمار كهذا يبدو مرهقاً للبنان ولخزينته مع وصول الدين العام لحدود ١٠٠ مليار دولار.

الارتهان للشركات وللفساد
رابعاً، الاستراتيجيات التي تعتمدها شركات الشحن والأسواق التي تصوب عليها، وبالتالي تموضع مرفأ بيروت بين خيارات ضيقة. هنا لا بدّ من تحديد السياسة الحاكمة لبناء وتطوير المرفأ. في المبدأ توجد خمسة أنواع من المرافئ البحرية حول العالم مقسّمة بحسب ملكيتها وفلسفة تشغيلها؛ من مرافئ الخدمة العامة حيث تنفّذ سلطة المرفأ جميع الأعمال والخدمات فيه وتملك بنيته التحتية، وصولاً إلى الخصخصة الكاملة التي بموجبها تتولى شركة خاصة كل الأعمال وتضطلع بكل المسؤوليات.
وهنا لا بدّ من التذكير أن مرفأ بيروت كان يُستخدم لفترة طويلة كمساحة لركن الحاويات الفارغة في إطار سياسة تراعي الشركات وتؤمن أموالاً سهلة لمحظيين، ولطالما كان منصّة سهلة للفساد والمحاصصة والتهريب، وقد فُضحت هذه الممارسات مراراً واستُخدم شعار «مكافحة الفساد الذي يُرتب خسائر تُقدر بـ1.5 مليار دولار على المرفأ» طويلاً في اللعبة السياسية الداخلية. اليوم، محا الانفجار الكبير كل شيء، فهل يُبنى المرفأ الجديد على باطل أم ينتقل مع لبنان إلى واقع نظيف؟