أعدّت جمعية الصناعيين دراسة تشير إلى أن مصانع لبنان تحتاج إلى استيراد مواد أوليّة بقيمة 2865 مليون دولار من بينها مواد أولوية بقيمة 2217 مليون دولار تدخل إلى لبنان تحت بنود جمركية معفاة من الرسوم الجمركية، ومواد أولية بقيمة 648 مليون دولار تدخل إلى لبنان تحت الرمز "322" الذي يهدف إلى التمييز بين وجهة استعمال المواد الأولوية الواردة ضمن البند نفسه سواء أكانت للتجارة فتخضع للرسم الجمركي أم للصناعة فتكون معفاة من هذا الرسم.

هذا الرقم، أي الـ2865 مليون دولار، يمثّل الحاجة الإجمالية السنوية للقطاع الصناعي، إلا أنه قد يكون أقلّ إذا أُخذ في الحسبان أن المصانع تستورد المواد الأولية لتصنيع سلعٍ تباع محلياً أو تصدّر إلى الخارج مقابل دولارات طازجة يمكن استخدامها مجدداً لتمويل استيراد المزيد من المواد الأولية. لعلّ التعبير الأدّق عن هذه الدورة الصناعية ــ النقدية، أن هناك حاجة إلى ذخيرة أوليّة بالعملات الأجنبية تُستعمل من أجل إطلاق دورة الإنتاج الصناعي التي تقوم بتمويل نفسها جزئياً بالعملات الأجنبية الآتية من الخارج والتي يطلق عليها المصرفيون اسم "الدولارات الطازجة" التي يمكن تحويلها إلى الخارج. وهذه ليست مجرّد ميزة عابرة للصناعة، بل ربما هي واحدة من الأساسات التي يرتكز عليها أي نموذج اقتصادي. فالتصدير الصناعي، يعدّ ملاذاً آمناً لأي نموذج اقتصادي، لأنه يتيح التخفيف من أعباء استيراد السلع والخدمات من الخارج بالعملات الأجنبية، وهو أحد عوامل التوازن في تسعير العملة المحلية تبعاً لنسبة الصادرات ووزنها في الاقتصاد، فضلاً عن أن الصناعة تعدّ قطاعاً استثمارياً حيوياً لخلق فرص العمل.


ومن المهم الإشارة إلى أن مصانع لبنان تغذّي السوق المحلية بسلع تقدّر قيمتها بنحو 5 مليارات دولار (الأرقام تختلف كثيراً بين جهة وأخرى، فهناك من يزعم بأن مجمل الإنتاج الصناعي يبلغ 13 مليار دولار، وهناك من يشير إلى 8 مليارات دولار، لكن أرقام إدارة الإحصاء المركزي تشير إلى أن الإنتاج يبلغ 8.5 مليارات دولار من بينها 3 مليارات دولار تقول جمعية الصناعيين إنها تصدّر إلى الخارج ما يعني أن هناك 5 مليارات دولار من السلع المنتجة محلياً تستهلك محلياً). بمعنى آخر، إذا رفض مصرف لبنان أو تقاعس عن تمويل استيراد المواد الأولية للصناعة اللبنانية سيرتفع الطلب على الدولار في لبنان من أجل استيراد هذه السلع، وسترتفع أسعار هذه السلع أيضاً أو تنقطع من السوق بشكل نهائي، ما يعني المزيد من التهريب، والمزيد من حالات الإفلاس وصرف الموظفين...
قطاع الصناعة كان يعاني أصلاً من استحواذ الريوع على الحصّة الأكبر من الاقتصاد. فالناتج المحلي الإجمالي كان يبلغ 20 مليار دولار في عام 2002 وكانت حصّة الإنتاج الصناعي منه 34%، لكنها انخفضت في عام 2007 إلى 27% فيما كان الناتج يبلغ 25 مليار دولار، ثم بلغت 15.5% في عام 2019 رغم أن الناتج بلغ 54.6 مليار دولار. ويمكن إجراء هذه المقارنة على تراكم رأس المال في القطاع الصناعي والقطاع المالي، وعلى أرباح كل منهما، إلا أن الأمر لا يتطلب مجهوداً لاكتشاف النتيجة أن الصناعة في مأزق سببه الأساسي هو هذا النموذج الاقتصاد القائم على تعزيز الاستهلاك المحلي بالسلع المستوردة والمموّلة بدولارات المودعين في المصارف التي يستقطبها مصرف لبنان عبر رفع أسعار الفائدة وبهامش واسع بين فوائد الليرة والدولار. استفاد من هذا النموذج القطاع العقاري أيضاً فارتفعت أسعاره لتصبح العقارات المتاحة للصناعة مكلفة جداً وغير مجدية، ولم تستثمر الدولة في بناء شبكة نقل تتيح للمصانع الاستفادة من تأسيسها في الأطراف، وباتت تجارة السلع المرتبطة بإنتاج الطاقة مكلفة رائجة وفيها أرباح هائلة دفعت الصناعة ثمن جزء كبير منها... أما الرسوم الجمركية فكانت الأدوات التي ألغيت تماماً من عالم الصناعة، فمن النادر أن استعملت هذه الرسوم لحماية الصناعة، ومن النادر أن جرى تنظيم هذا القطاع ليكون قطاعاً أساسياً.
اليوم بالتحديد هناك حاجة إلى هذا القطاع، من أجل استمرار إنتاج السلع بدلاً من استيرادها، ومن أجل تصدير السلع للحصول على الدولارات الطازجة. إنقاذ الصناعة بات مهمّة تحتل الأولوية في أزمة مصرفية ــ نقدية ــ مالية (دين سيادي) مضافاً إليها أزمة اقتصادية. علماً بأن مصرف لبنان وافق على تمويل المواد الأولية للصناعات بقيمة 100 مليون دولار وباقي 500 مليون دولار.

تابع صفحة «ملحق رأس المال» على فايسبوك