يشهد لبنان منذ فترة، الكثير من التغيرات على الصعيد المالي والنقدي. أول مؤشرات هذا الأمر يعود إلى "الهندسات المالية" التي نفّذها مصرف لبنان في عام 2016. منذ ذلك الوقت تسارعت الأحداث حتى وصلنا إلى الأزمة الراهنة والتي يصفها بعض الخبراء الماليين والاقتصاديين بأنها انهيار هيكل النظام الاقتصادي الذي بُنيت على أساسه جمهورية الطائف.

من أبرز المؤشّرات هي تلك الكتلة النقدية المتداولة في السوق. هذه الكتلة هي كمية العملات الموجودة بين أيدي المستخدمين والتي تُستعمل لإجراء العمليات التجارية بين المستهلك ومقدّمي الخدمات وشراء البضائع. هذه الكتلة لها دلالات اقتصادية كونها تمثّل مصدر الاستهلاك على المدى القصير، أي إنها تمثّل السيولة المتوافرة في السوق، وهذا الاستهلاك جزء مهم من الناتج المحلي.


بحسب أرقام مصرف لبنان، فإن حجم الكتلة النقدية المتداولة كان يتزايد باستمرار في السنوات الماضية. وهذا أمر طبيعي لأن هذه الكتلة تلبي الحاجات التجارية في الاقتصاد، ولأن عدد السكان في تزايد دائم فيما نسبة التضخم إيجابية، لذا فإن الحاجات التجارية تتطلّب كتلة نقدية متداولة أكثر حجماً مع مرور الوقت. لكن ما هو غير طبيعي أن تتزايد هذه الكتلة بنسبة متسارعة وكبيرة كما جرى بين حزيران 2019 وشباط 2020 إذ ارتفعت الكتلة المتداولة من نحو 6000 مليار ليرة إلى 12500 مليار ليرة، أي أكثر من الضعف، علماً بأن الجزء الأكبر من هذه الزيادة جاء بعد تشرين الأول. فما هي الأسباب؟
منذ مطلع السنة الماضية، بدأت المصارف اللبنانية تطبيق إجراءات للحدّ من نزيف السيولة الموجودة لديها. ومع الوقت أصبحت هذه الإجراءات أكثر وضوحاً وباتت تعكس واقع أن الأوضاع المالية والنقدية غير سليمة. تزايد هذه الإجراءات وتسارع وتيرة شدّتها أثارا هلعاً بين المودعين الذين تهافتوا على سحب أموالهم نقداً بالليرة أو بالدولار من المصارف خوفاً من عملية اقتطاع تطاولها أو من إفلاس المصارف. هذا الأمر أدّى إلى ارتفاع الكتلة النقدية بعد حزيران، لكن بحلول تشرين الأول وإقفال المصارف لأكثر من أسبوعين متتاليين، ارتفع مستوى حالة الهلع ليكسر حاجز الثقة كلياً بين المودعين والمصارف وانعكس هذا الأمر ارتفاعاً في حجم الكتلة النقدية المتداولة. وإضافة إلى ذلك، قام مصرف لبنان بطباعة عملات ورقية من دون أن تتضح أهداف هذا الأمر، إلا أنه من الثابت أن جزءاً من هذه العملات أصبح متداولاً بين المستهلكين ما أسهم في زيادة الكتلة النقدية المتداولة بشكل أكبر.
وهذا التزايد الكبير في الكتلة النقدية، له عواقب اقتصادية. فمعدل النموّ الاقتصادي لسنة 2018 كان سلبياً، فيما تشير التوقعات إلى استمرار هذه الحال في السنوات المقبلة، وفي المقابل سيكون معدل نموّ الكتلة النقدية المتداولة في ارتفاع، أي إننا مقبلون على تضخم كبير في الأسعار بات ملحوظاً في الأسابيع الأخيرة.
ارتفاع الكتلة النقدية المتداولة مقابل انخفاض كمية السلع المتاحة في السوق يفتح المجال أمام ارتفاع أسعار السلع


هذا التضخم يكون من خلال مسارين:
- المسار الأول يتعلق بسعر صرف الليرة؛ كلما زادت الكتلة النقدية المتداولة، زاد الطلب على شراء الدولار في السوق، لأن الدولار أصبح أداة لحفظ القيمة النقدية في لبنان. فمن لديه أموال بالليرة صار يشتري فيها الدولارات خوفاً من تدهور سعر صرف الليرة الذي أصبح أمراً حتمياً مع نشوء ثلاث أسواق لسعر الصرف وارتفاع سعر الصرف في السوق السوداء إلى نحو 2500 ليرة مقابل الدولار الواحد. وبالتالي، فإن زيادة الطلب على الدولار المتوافر في السوق المحلية يؤدي إلى رفع سعره مقابل الليرة أكثر فأكثر، ما يؤدي إلى ارتفاع في الأسعار لأن غالبية السلع الاستهلاكيّة في لبنان مستوردة، أي إنها مسعّرة بالدولار.
- المسار الثاني يتعلق بارتفاع أسعار السلع بحد ذاته، إذ أن السلع الموجودة في لبنان أصبحت غير متوافرة بكثرة بسبب عدم توافر الدولار كما في الفترات الماضية، ما يؤدي إلى انخفاض الاستيراد. وبالتالي، فإن ارتفاع الكتلة النقدية المتداولة مقابل انخفاض كمية السلع المتاحة في السوق يفتح المجال أمام ارتفاع أسعار السلع تحت قواعد العرض والطلب، وهذا من السهل أن يحدث في غياب رقابة الدولة المعتادة في سوق تسيطر عليها قلّة من الشركات وفيها نسب عالية من التركّز الاحتكاري.
ويرجّح استمرار فقدان الثقة بين المصارف والمودعين في الفترة المقبلة. الأزمة مستمرّة ولا مهرب منها، ما يعني مواصلة المودعين سحب ودائعهم من المصارف، كما أن الأموال التي طبعها المصرف المركزي ستبقى تصل إلى أيدي المستهلكين، أي إننا مقبلون على زيادة أكبر في الكتلة النقدية المتداولة وتضخم متواصل. احتواء هذه الظاهرة سيشكّل تحديّاً كبيراً أمام السلطات المالية والنقدية.