أظهرت نتائج الحسابات القوميّة لعام 2018 التي نشرتها أخيراً إدارة الإحصاء المركزي أن اقتصاد لبنان مصاب بالركود التضخّمي. في هذه الحالة، يترافق الانكماش الاقتصادي وتراجع حصّة الدخل من الناتج المحلّي، مع تضخّم كبير في أسعار السوق، ما يعمّق تركّز الثروة في يد أقليّة من الفئات المستفيدة ويوسّع هوّة اللامساواة بين الشرائح الاجتماعية. هي بداية انهيار النموذج الاقتصادي اللبناني. ففي عام 2018، ولأوّل مرّة منذ عقود، سجّل الناتج المحلي الإجمالي انكماشاً بنسبة 1.9% وبلغ 82854 مليار ليرة بالأسعار الجارية (54.9 مليار دولار محتسب على أساس 1507.5 ليرات وسطياً لكل دولار)، علماً بأن الترجيحات لعام 2019 لا تقلّ خطورة عن نتائج 2018، ففي ظلّ التطورات السلبيّة التي حصلت في السنة الماضية على صعيد إقفال الشركات وصرف العمال وتدنّي الإيرادات وشبه انعدام التدفقات المالية من الخارج وسواها من المؤشرات التي يقدّر أن تكون نتيجتها انكماشاً هائلاً في الناتج قد يصل إلى 15% وفق تقديرات أعدّت في وزارة المال.



تعتمد إدارة الإحصاء المركزي على أسعار 2010 الثابتة لاستخراج قيمة الناتج من دون تضمينه أثر تضخّم الأسعار، لذا في احتساب النموّ الحقيقي يتطلب تنزيل أثر تضخّم الأسعار واحتساب الناتج بالأسعار الثابتة العائدة لعام 2010. وقد احتسبت حصّة القطاع غير الرسمي في الناتج على أساس 30%. كذلك، تشمل الحسابات القومية لعام 2018، مساهمة القطاعات الاقتصادية في تكوين الناتج المحلي الإجمالي والتي تظهر أن هيمنة القطاعات الريعية على مكوّنات الناتج هي السمة الأكبر في مكوّنات النمو ونتائج توزيعه على شرائح المجتمع. بكلام آخر، إن سيطرة الريوع على الاقتصاد قادرة على تحديد معدلات النموّ والانكماش وهي تحدّد جودة ونوعية هذا النمو أو الانكماش. فعندما تراجع النشاط في المكوّنات الريعية مثل العقارات والمصارف، بدأ الانكماش وتضخّم الأسعار يتسلّلان إلى الناتج المحلي الإجمالي. فقد سُجّل تراجع في قطاع البناء بنسبة 10% وهو ما انعكس تقلصاً في نمو الناتج بنحو 0.4 نقاط مئوية. كذلك تراجعت التجارة بنسبة 7% وانعكس هذا الأمر تقلصاً في الناتج بنحو 0.7 نقاط مئوية. وبشكل غير اعتيادي سجّل التعليم تراجعاً بنسبة 5% أيضاً.
بحسب نتائج الحسابات القومية لعام 2018، فإنّ القطاع العقاري (السكن والإيجارات وأوجه أخرى غير البناء)، يساهم في الناتج المحلّي الإجمالي بقيمة 8.25 مليار دولار، أي ما يوازي 15%. ويسهم قطاع البناء بنسبة 4% أو ما قيمته 2.2 مليار دولار، ليصبج إجمالي النشاطات العقارية مساهماً بما قيمته 10.4 مليار دولار، أي ما يمثّل 18.9% من قيمة الناتج المحلّي الإجمالي. وبمعزل عن الأزمة العميقة التي تضرب القطاع العقاري وحصّته الوازنة في الناتج الإجمالي، إلا أنه في المقابل ليست هناك أي حصّة معتبرة للقطاعات غير الريعية مثل الزراعة والصناعة. لا بل إن الحصّة الأكبر، بعد حصّة القطاع العقاري، تستحوذ عليها أنشطة خدماتية وتجارية مولّدة لوظائف متدنية القيمة. فعلى سبيل المثال، تأتي تجارة المفرّق والجملة في المرتبة الثانية، وهي تسهم بنسبة 12% من الناتج المحلّي، ثم تأتي أنشطة الإدارة العامة والقطاع المالي والتعليم والصحّة والنقل. عمليّاً، لا يحلّ في المراتب الثماني الأولى أي نشاط إنتاجي سواء كان زراعياً أو صناعياً أو سياحياً، بينما يحلّ في المرتبة التاسعة قطاع الفنادق والمطاعم الذي لا يسهم حاليّاً إلا بنحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي.

أنقر على الرسم البياني لتكبيره

تشرح هذه الأرقام جزءاً كبيراً من طبيعة الأزمة الاقتصادية الراهنة. رغم أن الأرقام تعود لعام 2018 ولا تشمل المتغيّرات الاقتصاديّة التي حدثت بعد الانهيار المالي اعتباراً منذ منتصف 2019.
اللافت في الحسابات القومية، أن الاستهلاك الذي يعدّ العنصر الأساسي في الناتج المحلي الإجمالي، بلغ 106% من قيمة الناتج، وهذا يعود إلى كون استهلاك الأسر النهائي بلغ 91% من الناتج إلى جانب استهلاك الحكومة بنسبة 15%. عملياً، نستهلك أكثر من طاقة الاقتصاد القصوى. وفي المقابل، إن حسابات تكوين رأس المال لا تزال في معدلات متدنية جداً بلغت 18% للرساميل الخاصة و2% للرساميل الحكومية.
تصدير الخدمات هو العنصر الأهم بالنسبة إلى لبنان. نصدّر ما يوازي 14% من الناتج ونستورد خدمات بما يوازي 11% منه. أما تصدير السلع فهو المكمن الأكثر ضعفاً في بنية النموذج الاقتصادي للبنان. نصدّر سلعاً بما يوازي 7% من الناتج ونستورد سلعاً بما يوازي 36% من الناتج.