أصدر مصرف لبنان التعميم المُتعلّق بآليّة تمويل استيراد المحروقات والأدوية والقمح، وأراد من خلاله إنهاء أزمة توقّف معظم المصارف عن تأمين كامل حاجة المستوردين للدولارات منذ فترة، في ظل ارتفاع سعر الصرف لدى الصرّافين. لكن الأزمة عادت لتطلّ من جديد، إذ تبيّن أن التعميم لا يراعي واقع أن النسبة الكبيرة من عمليّات الاستيراد لدى هذه القطاعات تتمّ من خلال تحويلات مباشرة وليس اعتمادات مستندية، وهو ما جعل الشركات المستوردة تلوّح بإمكان توقّفها عن استيراد الدواء، مع كلّ ما يعنيه ذلك من مخاطر على المستوى الاجتماعي.

لم يكن لبنان دوماً أسير هذه المعادلة في قطاع الأدوية. إلى حدّ سبعينيات القرن الماضي، كانت صناعة الأدوية محلّياً إحدى أبرز نقاط قوّة الاقتصاد المحلّي، حيث كان لبنان متقدّماً في هذا المجال على دول المحيط. ولذلك كان بالإمكان تغطية معظم حاجات السوق المحلّية، بالإضافة إلى التصدير إلى الأسواق الأخرى. وعلى الرغم من عدم توفّر القدرة المحلّية على إنجاز البحوث العلميّة لوصول الشركات اللبنانية إلى إنتاج تركيبات خاصّة من الدواء، كانت الشركات اللبنانية تقوم إمّا بإنتاج الأدوية لمصلحة شركات عالمية أخرى بموجب تراخيص خاصّة، أو بإنتاج تركيبات أصبحت مُتاحة للإنتاج من قِبَل الجميع بسبب مرور الزمن على براءة الاختراع (الجينيريك).


ومثل جميع القطاعات الصناعية الأخرى، توقّف معظم هذه المصانع عن الإنتاج وأقفل خلال فترة الحرب، بينما لم يملك هذا القطاع القدرة على استعادة موقعه السابق بعد الحرب بسبب إهمال السياسات الرسمية للقطاعات الإنتاجية. كما عانى هذا القطاع تحديداً من سطوة بعض الشركات المستوردة، وقدرتها على بناء علاقات تسويقية معيّنة في الأوساط الطبية من خلال مجموعة من المصالح المتبادلة (مثل تمويل حضور المؤتمرات العالمية للكوادر الطبية).
بطبيعة الحال، أنتج هذا الواقع خللاً فادحاً في الميزان التجاري الخاصّ بهذا القطاع. على سبيل المثال، ووفق أرقام وكالة «فيتش» تمكّن لبنان خلال السنة الماضية من تصدير نحو 55.86 مليون دولار من الأدوية، في مقابل استيراد نحو 1.305 مليار دولار من الأدوية. وبالتالي، يكون العجز التجاري في قطاع الأدوية قد بلغ في عام 2018 نحو 1.249 مليار دولار أميركي. ووفق توقّعات «فيتش»، والتي ارتكزت على حجم النموّ المتوقّع في الطلب على الأدوية محلّياً، من المفترض أن ينمو هذا العجز تدريجياً ليصل إلى 1.619 مليار دولار في عام 2023.
في الواقع، يدفع الارتفاع الكبير في حجم الإنفاق المحلّي على الأدوية بهذا الاتجاه، إذ ارتفع خلال السنة الماضية مجمل إنفاق اللبنانيين على الدواء بنسبة 5.18%، ليصل إلى نحو 1.93 مليار دولار. وبذلك تكون حصّة الفرد من هذا الإنفاق قد بلغت 281 دولار سنوياً، بينما تتوقّع دراسة «فيتش» أن يبلغ هذا المتوسّط نحو 438 دولاراً في عام 2023.
إلى ذلك، تتوقّع «فيتش» أيضاً أن يرتفع حجم الأدوية المستوردة إلى 1.413 مليار دولار في عام 2020. وبالتالي، إذا أراد مصرف لبنان المضي بصيغة تؤمّن للمستوردين في هذا القطاع حاجتهم للعملة الصعبة، فسيضطر إلى استنزاف هذه القيمة من الدولارات في هذا القطاع وحده خلال العام المقبل. أمّا على المدى الأطول، فتتوقّع «فيتش» ارتفاع قيمة الأدوية المستوردة تدرّجياً لتصل إلى 1.692 مليار دولار في عام 2023.
أدّى تدهور الإنتاج المحلّي إلى تنامي عجز الميزان التجاري لكلّ القطاعات الإنتاجية بما فيها قطاع الأدوية. وفيما يأتي تعميم مصرف لبنان لتلافي انفجار اجتماعي في حال انقطاع الدواء، إلّا أنه عجز عن معالجة المشكلة لأسباب تقنيّة بحت، وفي كلّ الحالات يبقى مجرّد عملية شراء للوقت من خلال تقنين استعمال احتياطي الدولارات لدى المصرف المركزي، فهو يخفّف حدّة نزيف الدولارات الناتج عن الفارق بين الصادرات والواردات ولكن من دون أن يوقفه، إذ لا تزال كلّ المعالجات السياسية الرسمية تتجاهل أصل المشكلة المتعلّق بالبنية الاقتصادية التي تسود منذ انتهاء الحرب الأهلية، ولا يبدو أن هناك أيّ اتجاه رسمي واضح لمعالجة هذا الخلل تحديداً.