يعلن مصرف لبنان عن كلّ الموجودات بالعملات الأجنبية لديه بوصفها احتياطات، ولا يميّز بينها وفق نوعها وآجالها والقدرة على استخدامها عند الحاجة لتمويل عجوزات ميزان المدفوعات أو التدخّل في سوق القطع.

وفق إحصاءات مصرف لبنان حتّى حزيران/ يونيو الماضي، بلغت الموجودات بالعملات الأجنبية لديه نحو 29.75 مليار دولار، وهو رقم يجري تقديمه كصمّام أمان النظام المالي اللبناني في ظلّ الأزمة الحالية. لكن هذه الموجودات ليست قابلة للاستخدام كلّها، ولا يمكن اعتبارها سيولة مُتاحة في حوزة المصرف المركزي. لذلك عمدت وكالة «ستاندرد آند بورز» في تقريرها الأخير إلى إجراء حسابات من أجل تحديد مستوى الاحتياطي القابل للاستخدام، أي الذي يستطيع مصرف لبنان استخدامه عند الحاجة للتدخّل وتوفير العملة الصعبة لتثبيت سعر الصرف.
قدّرت الوكالة أن يصل مجمل الموجودات بالعملات الأجنبية إلى 32 مليار دولار في نهاية 2019. لكنها اعتبرت أن هناك 2.9 مليار دولار من أصل هذا المبلغ موجود لدى مصرف لبنان على شكل سندات يوروبوندز، وهو ما ينبغي تنزيله من المبلغ الإجمالي، لأن هذه السندات لا تشكّل سيولة فعلية إلّا بعد بيعها في الأسواق. علماً أن عملية تسييل هذه السندات تزداد صعوبة في ظلّ الأزمة الراهنة، وهذا ما دفع وزارة المال إلى تعليق أيّ إصدار جديد لسندات اليوروبوندز، بسبب عدم حماس المصارف على الاكتتاب بها وفق معدّلات الفوائد السابقة، وهو ما يعني أن مصرف لبنان سيتكبّد خسائر في حال طرح السندات التي بحوزته للبيع، أي أن الـ2.9 مليار دولار ستُنتِج قيمة أقل في حال تسييلها.


وكذلك تنزيل نحو 13.7 مليار دولار من موجودات مصرف لبنان أيضاً، وهي تمثّل الاحتياطي الإلزامي المفروض على المصارف من ودائعها بالدولار، وهذا الاحتياطي غير مخصّص للاستخدام في مواجهة عجز ميزان المدفوعات. إذ من المفترض أن يكون عامل أمان، ومتوافراً بشكل دائم، لحماية مصالح المودعين لدى المصارف، وتعزيز قدرتها على توفير السيولة لصالحهم عند الحاجة.
وأيضاً عمدت إلى تنزيل 8.1 مليار دولار من هذه الموجودات، تمثّل الكتلة النقدية المتداولة بالليرة، نظراً إلى إمكانيّة تحوّلها إلى طلب على الدولار في أيّ وقت.
في حين، أضافت موجودات الذهب الموجودة لدى مصرف لبنان، على الرغم من عدم إمكانية استخدام هذا الذهب سواء رهناً أو بيعاً، إلّا بموجب قانون يصدره مجلس النواب.
في محصّلة حسابات الوكالة، يقدّر احتياطي العملات الأجنبية لدى البنك المركزي القابل للاستخدام بنحو 19.2 مليار دولار، وهو ما يمثّل 60% فقط من مجمل الموجودات بالعملات الأجنبية المتوقّع في نهاية 2019، والذي يتمّ الحديث عنه عند استعراض قدرة مصرف لبنان على الدفاع عن سعر صرف الليرة. وبالمقارنة مع السنوات الماضية، يتبيّن أن الاحتياطي القابل للاستخدام تراجع بنسبة 41% بين عامي 2017 و2019، بعد أن بلغ 32.5 مليار دولار عام 2017.
ما يعني ببساطة تامّة، أن مستوى الاحتياطات القابلة للاستخدام بالكاد يغطّي 42% من التزامات النظام المالي على المدى القصير، في حين أن مستوى التغطية المقبولة يفترض أن يشكّل نسبة 100% من هذه الالتزامات وفق الوكالة نفسها (علماً أن ودائع غير المقيمين تعدّ أبرز هذه الالتزامات). أمّا لناحية تغطية الحاجة إلى العملة الصعبة للاستيراد، فإن الاحتياطي القابل للاستخدام يكفي لتغطية 7 أشهر فقط من دفعات الحساب الجاري.
وبالنتيجة، تتوقّع «ستاندر أند بورز» أن يواجه لبنان صعوبة في الاحتفاظ باحتياطي كافٍ من العملة الصعبة للحفاظ على ثبات العملة المحلّية، في حال لم يحصل أي تطوّر في التحويلات المالية من الخارج، سواء على شكل ودائع أو استثمارات. إذاً يصبح من الواضح ضيق الخيارات المُتاحة، ولا سيّما في ظل الإصرار على اعتماد معالجات ظرفية تكرّس الحاجة إلى التدفّقات الخارجية لتوفير العملة الصعبة للنظام المالي، بدلاً من مراجعة أسباب الأزمة التي ترتبط ببنية النموذج الاقتصادي القائم والمصاب بإدمانٍ على تدفّقات الدولار من الخارج.