تركت سنوات من نشاط التعدين العشوائي مئات المقالع في جميع المناطق اللبنانية. تبيّن صور الأقمار الصناعية أن المساحة التي تغطّيها المقالع تضاعفت بنسبة 93% في أقل من ثلاثة عقود، إذ ارتفعت من 28.9 كيلومتراً مربّعاً في عام 1989 وصولاً إلى 56 كيلومتراً مربّعاً في عام 2018، وذلك وفقاً للتحاليل التي أعدّها المهندس والمخطّط المديني أنطوان عطا الله، وبالاستناد إلى البيانات المتوافرة لدى مركز الاستشعار عن بعد التابع للمجلس الوطني للبحوث العلمية.

هذا التطوّر الكبير في مساحة المقالع ليس إلّا الوجه الآخر للنشاط العمراني غير المنظّم والمتواصل منذ مطلع التسعينيات، والمصالح الضخمة التي أنشئت أو نمت على أساسه، والعشوائية في استخدام الأراضي.
بين عامي 1994 و2014، ارتفعت المناطق المبنية بنسبة 80% وفقاً للمجلس الوطني للبحوث العلمية، وهو ما سمح بمضاعفة أعداد المقالع من 784 مقلعاً في عام 1989 إلى 1278 مقلعاً في عام 2005، وفقاً لأحدث المسوحات التي أجراها مركز الاستشعار عن بعد، فيما تقدّر حالياً بأكثر من 1600 مقلع.


أدّى ذلك إلى استخراج أكثر من 85.5 مليون طن من الإسمنت للاستخدام المحلّي، بين عامي 1994 وأيار 2019، وفقاً لبيانات تسليمات الإسمنت الصادرة عن المصرف المركزي، عدا عن الكمّيات المُصدّرة إلى الخارج، واستفادت من بيعها ثلاث شركات إسمنت فقط موجودة في لبنان وتحتكر السوق منذ عام 1993 تاريخ صدور قرار منع استيراد الإسمنت. وبالإضافة إلى ذلك، برزت مصالح أخرى استفادت من فورة البناء في لبنان، وشاركت في استنزاف الجبال وتشويهها لاستخراج مواد أخرى، مثل أحجار الخفّان والغرانيت والرخام والصخور والرمال، وهي مواد أساسية لنشاط البناء المزدهر في تلك الفترة ومشاريع ردم البحر.
لقد كان لارتفاع نشاط التعدين والمقالع أثر بالغ على الزراعة ورعي الحيوانات وعلى البيئة، ووفقاً لدراسة بعنوان "الأثر البيئي للمقالع على الموارد الطبيعية في لبنان" من إعداد مركز الإستشعار عن بعد والمجلس الوطني للبحوث العلمية وكلّية العلوم الزراعية في جامعة بنسلفانيا، تمدّدت هذه المقالع فوق الأراضي الصالحة للزراعة أكثر من ثلاث مرّات بين عامي 1989 و2005 بحيث دمّرت 676 هكتاراً منها، ونحو الثلثين فوق المناطق الحرجية والغابات وتدمير 137 هكتاراً منها، فيما تضاعفت المساحة التي تغطّيها من الأراضي المخصّصة للمراعي (تدمير 738 هكتاراً منها). فضلاً عن أن 62% منها تنتشر في مناطق غير ملائمة لنشاطات مماثلة، وخصوصاً أن 21.5% منها توجد في أراضٍ خصبة ومنتجة للمحاصيل الحقلية والفاكهة، و32.4% في الغابات والأحراج والمناطق العشبية، و3.2% داخل المناطق المدينية. فضلاً عن ذلك، تنطوي نشاطات التعدين والمقالع على مخاطر صحيّة وبيئية، وخصوصاً أن 87% منها تشكّل مصدر خطر على جودة المياه الجوفية، فضلاً عن انتشار 93% في الأراضي المنحدرة، وهو ما يؤدّي في النتيجة إلى ارتفاع مخاطر تآكل التربة وانجرافها وتسلل المنحدرات وانهيار الصخور وتراجع المساحات الزراعية والغطاء النباتي وزيادة الضغط على موارد المياه والتربة، ويقدّر البنك الدولي كلفة التدهور البيئي الناجمة عن المقالع بأكثر من 860 مليون دولار.
أدى النمو المديني السريع والعشوائي الذي شهده لبنان منذ مطلع التسعينيات إلى زيادة الحاجة إلى مواد البناء، إلّا أنه ترك مئات من ندوب المقالع في جميع أنحاء الأراضي. لا توجد حالياً أرقام دقيقة حول عدد المقالع، لا سيّما أن القسم الأكبر منها غير مرخّص أو يعمل بسلطة الأمر الواقع أو بموجب رخص ممنوحة من غير الجهة الرّسمية المخوّلة بإعطاء الرخص (مثل الرخص والمهل الإدارية المؤقّتة الممنوحة من وزارة الداخلية)، إلّا أن وزارة البيئة تعتمد الرقم 1300 لعدد المقالع، بالاستناد إلى خرائط مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش اللبناني، ما يعني أن هناك مقلعاً في كلّ 7.8 كيلومترات مربّعة بالمقارنة مع مقلع لكلّ 13 كيلومتراً مربّعاً في عام 1989. وعلى الرغم من ذلك، يبقى هذا الرقم غير دقيق كونه يعود إلى عام 2005، أي قبل الفورة العمرانية بين عامَي 2006 و2010.
هناك بعض الأدلّة على أن عمليات التجديد الطبيعي تحدث في بعض هذه المقالع غير المنظّمة والمهجورة، إلّا أن عملية الاسترداد بطيئة وغير كافية لضمان الاستعادة الفعّالة لوظائف النظام الإيكولوجي، وهناك حاجة إلى التدخّل لتسريع عمليات الاستعادة والتحكّم فيها، وخصوصاً أن لبنان تعهّد بإعادة تأهيل 18% من الأراضي المتدهورة في خلال عام 2030 التزاماً بأهداف التنمية المستدامة.