تشير وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني، في تقريرها الأخير حول لبنان، إلى حاجات تمويل متزايدة للاقتصاد اللبناني، قدّرتها بنحو 24% من الناتج المحلّي سنوياً. بمعنى آخر، تدلّ الوكالة إلى حاجة لبنان إلى تدفّقات مالية من الخارج بهذا القدر، لتمويل عجز الحساب الجاري الناتج عن الفارق بين الصادرات والواردات، ولتأمين تمويل خدمة الدَّيْن الحكومي وسداد الجزء المستحقّ من أصل هذا الدَّيْن والإنفاق. وبينما تشير «فيتش» إلى الحاجات التمويلية المتزايدة الناتجة عن «العجز التوأم» (أي عجز الحساب الجاري وعجز الميزانية العامة)، تتحدّث، في الوقت نفسه، عن التحدّيات الموجودة لناحية تراجع حجم الودائع والتدفّقات الخارجيّة، وهو ما شكّل أحد الأسباب الرئيسة لتخفيض تصنيف لبنان الائتماني.

وفقاً للأرقام، شكّل تنامي كلفة خدمة الدَّيْن الحكومي خلال السنوات الماضية أحد مصادر الضغط الرئيسة، وحالياً يشكّل تحدّياً أساسياً في ظل أزمة التدفّقات الماليّة. منذ عام 2012، تنامى حجم مدفوعات خدمة الدَّيْن الحكومي من 3.62 مليار إلى 5.4 مليار دولار في عام 2018، وهو ما يشكّل ارتفاعاً بنسبة 49%. أمّا قيمة دفعات خدمة سندات اليوروبوندز (أي قيمة الفوائد المستحقّة بالدولار) فقد ارتفعت خلال الفترة نفسها بنسبة 59%، من 1.41 مليار إلى 2.24 مليار دولار. علماً أن أي ارتفاع في خدمة سندات اليوروبوندز تحديداً، يمثّل عنصراً شديد الحساسية في المرحلة الراهنة، لأنها كلفة مستحقّة بالدولار، وترتبط بالحاجات التمويلية بالعملة الصعبة.


حالياً، هناك عوامل مختلفة تضغط باتجاه رفع كلفة خدمة الدَّيْن. فمع اشتداد عوارض الأزمة المالية، وارتفاع المخاطر المرافقة لها، تنخفض قيمة سندات اليوروبوند في الأسواق ويرتفع العائد عليها (معدّل الفائدة)، وهو ما سيفرض على الدولة رفع معدّل الفائدة في أي إصدار مستقبلي لضمان بيع هذه السندات. على سبيل المثال، ارتفع متوسّط العائد على سندات اليوروبوند، بين عامي 2013 و2018، من 4.5% إلى 10%، أي أكثر من الضعفين.
لكن بمعزل عن ارتفاع معدّلات الفائدة نتيجة المخاطر الراهنة، يبرز أيضاً عنصر لا يقلّ أهمّية، وهو مرتبط بـ«هندسات» مصرف لبنان سيؤدّي إلى رفع حاجات التمويل الخارجي والمخاطر المرتبطة به. فالفوائد المرتفعة على إيداعات المصارف لدى مصرف لبنان بالعملة الصعبة، التي تُمنح في إطار هذه «الهندسات»، تدفع المصارف إلى الامتناع عن الاكتتاب في أي إصدار مُقبل لسندات اليوروبوندز ما لم ترفع وزارة المال معدّل الفائدة عليها بشكل موازٍ. وهو ما يشكّل التحدّي الأكبر في أي إصدار مقبل، ويفسّر تأجيل إصدار هذه السندات أكثر من مرّة. علماً أن هذا السيناريو سبق أن حصل خلال العام الماضي مع سندات الخزينة بالليرة، عندما امتنعت المصارف عن الاكتتاب بها، ما أدّى إلى رفع الفائدة عليها من 7.46% إلى 10.5%.
يبدو واضحاً أن وكالات التصنيف العالمية تُدرك حجم المخاطر المرتبطة بالتحدّيات التمويليّة المحلّية وأزمة التدفّقات الماليّة الخارجيّة، وبالتالي علاقتها بتمويل خدمة الدَّيْن، لكنّها في الوقت نفسه، تميل إلى مصالح عملائها من حملة الديون السيادية، ما يدفعها إلى شيطنة أي فكرة لإعادة النظر في كلفة خدمة الدَّيْن باستمرار، مستعيضة عنها بالتركيز على حاجات ومصادر تمويل هذه الكلفة فقط. وهو ما يظهر في تقرير «فيتش» الأخير، عند الإشارة إلى الآثار التي تركها تصريح وزير المال عن احتمال إعادة هيكلة جزء من الدَّيْن العام على الرغم من تراجعه لاحقاً عن هذه التصريح. أمّا الدولة، وحتى الآن، فيبدو أنها خاضعة لهذا النوع من الابتزاز الذي تمارسه تقارير وتهويلات وكالات التصنيف والصناديق الاستثمارية، وتصرّ على الالتزام بكلفة خدمة هذا الدَّيْن مهما بلغت ومهما تعاظمت تحدّيات التمويل!