يستأثر 1.443 مقترضاً، أو 0.2% فقط من مجمل المقترضين، بنصف قيمة القروض المصرفية الممنوحة للقطاع الخاصّ (الشركات والأسر والأفراد)، أي نحو 34.3 مليار دولار. هذا التركّز الشديد في القروض يعكس التركّز المقابل في الودائع، ويكشف أن كبار المودعين الذين يحصدون الحصّة الأكبر من مدفوعات الفائدة المموّلة بمعظمها من المال العام، هم أنفسهم كبار المقترضين الذين يستفيدون من دعم الفوائد على القروض، المموّل بدوره من المال العام!

ترتبط القروض المصرفية بسمعة سيّئة، فلا أحد يرغب أن يكون مديوناً إلّا إذا كان هذا الدَّيْن يدُرّ عليه دخلاً أعلى من الفائدة التي سيسدِّدها للبنك، بمعنى أن يكون الدَّيْن قابلاً للتوظيف بفائدة أو ربح أعلى من الفائدة المدفوعة عليه. ولكن هذه الوظيفة «المُربحة» للدَّيْن ليست مُصمّمة إلّا لعدد ضئيل جدّاً من المقترضين، هم أصحاب الرساميل الذين يستحوذون أصلاً على الحصّة الأكبر من الدخل والودائع والملكية والثروة والنفوذ، في حين أن العدد الأكبر من المقترضين هم في الواقع أسر وأفراد وروّاد أعمال وأصحاب مشاريع صغيرة ومتوسِّطة، اضطروا للاستدانة من المصارف بفائدة مرتفعة وفي مقابل رهون ثمينة، سواء لتمويل الاستهلاك أو السكن أو التعليم أو شراء سيّارة أو الاستثمار في نشاط اقتصادي غالباً ما يكون محفوفاً بمخاطر كبيرة وكثيرة.


وفق الإحصاءات التي نشرها مصرف لبنان للفصل الرابع من عام 2018، يوجد 626 ألفاً و839 قرضاً ممنوحاً من المصارف إلى زبائنها، تبلغ قيمتها نحو 69.5 مليار دولار. ما يجدر الانتباه إليه أن ربع هذه القروض تقريباً، بما فيها القروض السكنية، هي قروض مدعومة من المال العام، سواء عبر الموازنة العامّة مباشرة أو عبر مصرف لبنان، أي أن جميع المقيمين في لبنان يُجبَرون على تسديد جزء من كلفة الفائدة على هذه القروض. وكذلك يجدر الانتباه إلى أن 10% من مجمل القروض للقطاع الخاص هي هالكة أو مشكوك بتحصيلها، أي أن المستفيدين منها لم يستمرّوا في تسديد أصل القرض والفوائد، والمفارقة اللافتة أن ذلك لا يشمل القروض الصغيرة، التي لا تزال تسجِّل مستويات عالية جدّاً من الالتزام بالتسديد.
هذان العنصران، الدعم والتوقّف عن السداد، يمثِّلان المدخل المناسب لعرض الإحصاءات المُتعلّقة بتوزّع القروض المصرفية الممنوحة للقطاع الخاص وفقاً لشرائح المقترضين، وبالتالي محاولة فهم خارطة المستفيدين من القروض ودعم فوائدها.
تقسّم هذه الإحصاءات المقترضين إلى 8 شرائح وفقاً لقيمة القرض. يتبيّن أن 15.4% من مجمل المقترضين (96 ألف و227 قرضاً) يقعون في شريحة المقترضين الذين لا تتجاوز قيمة قرض كلّ منهم الـ5 ملايين ليرة لبنانية. تبلغ حصّة هؤلاء 0.2% من مجمل قيمة القروض، ويبلغ المعدّل الوسطي للقرض نحو 1.393 دولاراً. ويشكّل المقترضون الذين تتراوح قيمة قروضهم بين 5 ملايين و25 مليون ليرة الشريحة الثانية، وتضمّ نحو نصف المقترضين (47.4%)، ولا تتجاوز حصّة هؤلاء من مجمل قيمة القروض 3.5%، بمعدّل وسطي للقرض يبلغ 8.292 دولار. هاتان الشريحتان الأولى والثانية تمثِّلان معاً نحو 62.8% من عدد المقترضين (393 ألف و328 قرضاً)، إلّا أن حصّتيهما مجموعتين لا تشكِّلان سوى 3.7% من مجمل القروض (2.467 مليار دولار)، أي أن المعدّل الوسطي للقرض الواحد يبلغ 6 آلاف و272 دولاراً فقط لا غير، وهي بأكثريتها الساحقة قروض شخصية استهلاكية، لا تنال أيّ دعم، بل تُعدّ كلفة الفائدة عليها هي الأعلى.
تضمّ الشريحة الثالثة المقترضين الذين تتراوح قيمة قروضهم بين 25 مليون و100 مليون ليرة، ويشكّل هؤلاء نحو 20.6% من مجمل المقترضين، وتبلغ حصّتهم نحو 5.9% من مجمل قيمة القروض، بمعدّل وسطي يبلغ 31.6 ألف دولار لكلّ قرض. وتضمّ الشريحة الرابعة نحو 14.1% من المقترضين، الذين تتراوح قروضهم بين 100 مليون و500 مليون ليرة، وتبلغ حصّتهم نحو 16.6% من مجمل القروض، بمعدّل وسطي للقرض يبلغ 130 ألف دولار. تضمّ الشريحتين الثالثة والرابعة نحو 217 ألف و648 مقترضاً (34.7% من مجمل المقترضين) وتبلغ قيمة قروضهم 15.6 مليار دولار، بمعدّل وسطي للقرض يبلغ 71 ألفاً و822 دولاراً. وهي بمعظمها قروض شخصية استهلاكية وسكنية، بالإضافة إلى عدد قليل من القروض الاستثمارية. أمّا الشريحة الخامسة فتضمّ 1.2% من المقترضين، الذين تتراوح قروضهم بين 500 مليون ومليار ليرة، وتبلغ حصّتهم 4.9% من مجمل القروض، بمعدّل 652.6 ألف دولار لكلّ قرض.
إن مجموع هذه الشرائح الخمس (شرائح القروض التي تتراوح بين ليرة واحدة ومليار ليرة) يمثّل نحو 98.7% من مجمل المقترضين، إلّا أن حصّتهم لا تمثّل سوى 31.1% من مجمل القروض.
في المقابل، يستأثر 1.3% من المقترضين (8 آلاف و389 مقترضاً) بنحو 68.9% من القروض (47.9 مليار دولار). إذ تضمّ شريحة القروض بين المليار و5 مليارات ليرة نحو 0.93% من مجمل المقترضين، يستحوذون على 11.8% من مجمل التسليفات، بمعدّل وسطي يبلغ 1.4 مليون دولار لكلّ قرض. وتضمّ شريحة القروض بين 5 مليارات و 10 مليارات ليرة نحو 0.18% من مجمل المقترضين، يستحوذون على 11.9% من مجمل قيمة القروض بمعدّل وسطي للقرض يبلغ 4.6 مليون دولار، بالإضافة إلى الشريحة الثامنة الأخيرة التي تضمّ 0.2% من المقترضين الذين تتجاوز قروضهم 10 مليارات ليرة، وهؤلاء هم بيت القصيد، إذ يستحوذون وحدهم على 49.4% من مجمل القروض، بمعدّل وسطي يبلغ 23.8 مليون دولار للقرض.