وفق تقرير الاستثمار العالمي لعام 2018، الصادر عن مؤتمر الأمم المتّحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، تراجعت الاستثمارات الخارجية المباشرة عام 2017 لغاية 1.43 تريليون دولار، أي بتراجع قدره 23% مقارنة مع أرقام عام 2016 التي بلغت فيها الاستثمارات الخارجية المباشرة نحو 1.87 تريليون دولار.

باتت هذه المؤشّرات، وفق التقرير نفسه، مصدر قلق لصنّاع السياسات الاقتصادية حول العالم، وخصوصاً في البلدان النامية. بالتأكيد، ينبع هذا القلق من مصير التوجّهات الاقتصادية العالمية التي تبشّر بها المؤسّسات الدولية، والتي تقوم على إزالة الحواجز وفتح الحدود أمام رؤوس الأموال وتشجيع الاستثمارات الخارجية، وتحرير اقتصادات البلدان النامية بوصفها السبيل الأمثل للتنمية.


بعيداً من هذه النظريات، تأتي الأرقام التي يقدّمها المؤتمر، كجزء من نمط يسود منذ الأزمة العالمية عام 2008، سمته الأساسية تراجع الاستثمارات الخارجية الواردة إلى الدول المتوسّطة الدخل تحديداً. في الواقع، يبدو وفق الأرقام أن هذه البلدان دفعت في السنوات التي تلت الأزمة كلفة باهظة نتيجة الأزمة التي بدأت في الولايات المتّحدة الأميركية، وهي تدفع اليوم ضريبة الانتعاش الاقتصادي الذي تلى الأزمة.
في السنوات التي تلت الأزمة مباشرة، شهدت الدول المتوسّطة الدخل تراجعاً كبيراً في الاستثمارات الخارجية نسبة إلى ناتجها المحلّي، وفق الإحصاءات التي يقدّمها البنك الدولي. ونتيجة للعولمة الاقتصادية ودولرة الاقتصادات المحلّية للبلدان النامية وانكشاف اقتصاداتها على المتغيّرات الدولية، شهدت البلدان المتوسّطة الدخل انخفاضاً في نسبة الاستثمارات الخارجية المباشرة من الناتج المحلّي من 3.82% عام 2007 إلى 2.5% عام 2012. وهو ما يكرّس المقولة الشهيرة التي تقول إن «الاقتصاد الأميركي حين يعطس يصاب العالم بالزكام»، تعبيراً عن مكانة الاقتصاد الأميركي في ظلّ النظام الرأسمالي العالمي.
ومع انتهاء تداعيات الأزمة، وعودة المؤشّرات الاقتصادية الكلّية في الولايات المتّحدة والغرب إلى تسجيل أرقام جيّدة، تابع هذا المؤشّر اتجاهه التنازلي في البلدان المتوسّطة الدخل من 2.7% عام 2013 إلى 1.8% عام 2017. ويعود ذلك تحديداً إلى عودة معدّلات النمو إلى الارتفاع للصعود في الغرب، وبدء معدّلات الفوائد بالارتفاع في الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما بدأ يشكّل دافعاً للحدّ من هجرة الرساميل باتجاه البلدان النامية والمتوسّطة الدخل. وهكذا تدفع هذه البلدان اليوم ضريبة عودة اقتصادات الغرب إلى الازدهار بعد أن دفعت ضريبة الأزمة فيها، وتحديداً بفضل طبيعة السياسات المُهيمنة على العالم والتي تكشف الأسواق المحلّية على مخاطر وتحوّلات الاقتصاد العالمي، في سبيل فتح الأسواق وتعزيز مكانة الدولار على المستوى الدولي.
لبنان لم يكن بعيداً من هذا المسار، فانخفض المؤشّر نفسه من 13.5% عام 2007 إلى 4.7% عام 2017. وترك أثره الأكبر على مستوى القطاع العقاري، الذي يستحوذ على 93% من هذه الاستثمارات وفق أرقام المؤسّسة العامّة لتشجيع الاستثمارات. ويمكن قياس هذا التراجع على المستوى الكمّي كذلك، إذ انخفضت الاستثمارات الخارجية المباشرة خلال هذه الفترة من 4.3 مليار دولار عام 2008 إلى 2.6 مليار دولار عام 2017.
وعلى الرغم من وجود بعض العوامل الداخلية المتعلّقة بهذا التراجع، إلا أن ارتباطه بمسار عالمي تتشاركه البلدان النامية والمتوسّطة الدخل يعزّز فرضية تأثّر الأزمة المحلّية بشكل كبير بتحوّلات كبيرة على مستوى العالم، بينما عزّز الخلل البنيوي الداخلي الانكشاف على هذه التحوّلات والمخاطر. وهكذا، تكون الأزمة على المستوى المحلّي أعمق من ترقّب حلّها بمجرّد استعادة القليل من الدعم للسوق العقارية أو تشكيل الحكومة أو انتظار استعادة الاستقرار الأمني في بلدان المنطقة كما تفترض بعض التحليلات.