تُفيد بيانات إحصائية تفصيلية، حصلت عليها «الأخبار» من وزارة المال، أن الإنفاق المُحقّق فعلياً (حوالات الصرف) على سلسلة الرتب والرواتب ومعاشات التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة بلغ في عام 2018 نحو 7490 مليار ليرة، أي ما يعادل 4 مليارات و968 مليون دولار.

ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي، يصل الإنفاق العام في هذا العام إلى نحو 18 مليار دولار، أي أن الإنفاق المُتعلّق بالسلسلة ونظام التقاعد استحوذَ على 28% من مجمل الإنفاق، وبالتالي لا يزال ضمن المعدّلات المُسجّلة في السنوات الماضية، وهو، على أيّ حال، لا يزال أدنى من كلفة خدمة الدين العام، التي تستحوذ وحدها على أكثر من 5.5 مليار دولار، أي ما يوازي 30.5% من مُجمل الإنفاق العام، وتعدّ مصدرَ العجز الرئيس والقناة الرئيسة لإعادة توزيع الدخل من تحت إلى فوق، على عكس الدور الذي تلعبه السلسلة. لا يعني ذلك ألّا مشكلة في الإنفاق على الرواتب والأجور في الموازنة العامّة، إلّا أنها ليست مشكلة حجم وكلفة كما يجري تصويرها، بل مشكلة تتّصل ببنية الإنفاق العامّ نفسه وتوزيعه، كما تتصل ببنية التوظيف في القطاع العام وإنتاجيته، وهو ما يَظهر بوضوح في هذه البيانات الإحصائية، إذ تستأثر الأجور في الأسلاك العسكريّة (الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة والجمارك) بثلثي الإنفاق المُحقّق في سلسلة الرتب والرواتب من دون معاشات التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة.


كيف نتتبّع تطوّر كلفة سلسلة الرتب والرواتب؟
تسمح البيانات الإحصائية المتاحة بتقسيم الإنفاق على سلسلة الرتب والرواتب إلى 3 أقسام: (1) رواتب وأجور الموظفين والمتعاقدين والأُجراء في إدارات الدولة وأسلاكها المشمولة بالسلسلة، باستثناء مساهمات الموازنة العامّة في أجور العاملين في المؤسّسات العامّة. (2) معاشات التقاعد. (3) تعويضات نهاية الخدمة.
بلغ مجموع الإنفاق على الأقسام الثلاثة المذكورة في عام 2017 (من دون احتساب أثر إقرار سلسلة الرتب والرواتب الجديدة في آب/ أغسطس 2017) نحو 3 مليارات و650 مليون دولار (من ضمنها نحو 585 مليون دولار زيادة غلاء المعيشة التي يجري صرفها منذ عام 2012 قبل إقرار السلسلة). ما يعني أن كلفة الزيادات التي ترتّبت على تطبيق سلسلة الرتب والرواتب في عام 2018 بالمقارنة مع عام 2017 بلغت نحو مليار و318 مليون دولار، وهي أكثر بنحو 325 مليون دولار من التقديرات التي وضعتها وزارة المال عند إقرار السلسلة في مجلس النواب. ويعدّ هذا التفاوت بين الكلفة المُحقّقة والكلفة المقدّرة كبيراً جدّاً بكل المقاييس، إذ بلغ هامش الخطأ في هذه التقديرات نحو 36%، إلّا أنه لا يزال أدنى بكثير من الشائعات التي جرى ترويجها في خضم الحملة الداعية إلى تشليح أكثر من 310 آلاف موظّف ومتعاقد وأجير ومتقاعد بعض مكاسبهم في هذه السلسلة.
وفق البيانات الإحصائية المتاحة، ارتفعت كلفة القسم الأول، أي رواتب وأجور الموظفين والمتعاقدين والأجراء، من نحو مليارين و182 مليون دولار في عام 2017 إلى نحو مليارين و839 مليون دولار في عام 2018، أي أن الزيادة بلغت نحو 658 مليون دولار. إلّا أنّ اللافت أن هذه الزيادة نتجت من زيادة كلفة الأسلاك العسكرية والأمنية نحو 425 مليون دولار، وهي أكثر بنحو 71 مليون دولار عن التقديرات السابقة لوزارة المال، وقد نجمت هذه الزيادة غير المتوقّعة عن تجنيد نحو 5 آلاف شخص في هذه الأسلاك.
على أيّ حال، باتت الأجور في الأسلاك العسكرية والأمنية تستحوذ على 67% من مجمل القسم الأول، في حين أن الهيئة التعليمية تستحوذ على 19% وملاك الإدارات العامة على 14%. واللافت أيضاً أن التقديرات السابقة لوزارة المال أصابت كلفة الملاك الإداري بشكل دقيق، وجاءت تقديراتها أعلى بنحو 61 مليون دولار من الكلفة الفعلية للهيئة التعليمية.
في المقابل، ارتفعت معاشات التقاعد (القسم الثاني) بقيمة 294 مليون دولار، من نحو مليار و241 مليون دولار في عام 2017 إلى نحو مليار و535 مليون دولار في هذا العام. وجاءت الزيادة الفعلية المحقّقة أعلى من التقديرات السابقة لوزارة المال بنحو 70 مليون دولار. كما ارتفعت قيمة تعويضات نهاية الخدمة (القسم الثالث) بقيمة 359 مليون دولار، من 228 مليون دولار إلى 587 مليون دولار. وهذه الزيادة المحقّقة أعلى بنحو 237 مليون دولار عن التقديرات السابقة لوزارة المال.
في الواقع، يعود القسم الأكبر من الزيادة غير المتوقّعة في الإنفاق على سلسلة الرتب والرواتب إلى القسمين الأخيرين (بالإضافة إلى انتفاخ الجسم العسكري والأمني)، والسبب الرئيس في هذه الزيادة أنّ الحكومة ومجلس النواب عمدا إلى تجاهل التحذيرات من انعكاسات عدم تقييد خيار التقاعد المبكر، ولا سيّما الذي يستفيد منه الضبّاط، إذ أنّ نظام الحوافز المعمول به في هذا المجال جعل العديد من الضبّاط يلجأون إلى الاستفادة منه فور إقرار سلسلة الرتب والرواتب، نظراً لحجم المنافع الكبير، فقد ارتفع عدد طلبات تصفية تعويضات نهاية الخدمة من 3989 طلباً في عام 2017 إلى 5784 طلباً عام 2018، بزيادة 1795 طلباً. وارتفع عدد المتقاعدين المستفيدين من نظام التقاعد من 97764 متقاعداً إلى 103218 متقاعداً، بزيادة 5454 متقاعداً.