خلال ربع قرن تلا الحرب في لبنان، ارتفع عدد اللبنانيين المهاجرين بنسبة 58%، من 505,729 مهاجراً في عام 1990 إلى 798,140 مهاجراً في عام 2015. وفق التقرير الصادر أخيراً عن «الإسكوا» (لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا) تحت عنوان «الهجرة في المنطقة العربية».

في المقابل، وفي الفترة نفسها، ارتفع عدد المهاجرين إلى لبنان بنسبة 281%، من 523,693 في عام 1990 إلى 1,997,775 في عام 2015، معظمهم من اللاجئين، ولا سيّما من سوريا (62.8% من مجمل المهاجرين إلى لبنان) وفلسطين (25.8%) والعراق (6%). ولكن إذا استثنينا اللاجئين السوريين (الذين تدفّقوا إلى لبنان منذ عام 2011 بسبب الصراع في سوريا)، فإن نسبة نمو تدفّق المهاجرين نحو لبنان، في هذه الفترة، ستبلغ 46% فقط، وهي نسبة قريبة من نسبة زيادة عدد المهاجرين من لبنان.
تقدّر «الإسكوا» نسبة اللبنانيين المهاجرين من مجمل المقيمين في لبنان حالياً بنحو 13.6%، إلّا أن هذه النسبة سترتفع إلى نحو 17% في حال استثناء اللاجئين السوريين، وتُعَدّ هذه النسبة مرتفعة جدّاً في كلّ المقاييس، وتعبّر عن نزف كبير يعاني منه المجتمع اللبناني ويهدر طاقاته وموارده، ولا سيّما أن هذا العدد من المهاجرين يساوي نصف القوى العاملة المقيمة تقريباً.


يُعَدّ لبنان من الحالات الفريدة التي تجمع في آنٍ واحد بين موقعين متقدِّمين في معدّلات الهجرة في المنطقة العربية. فهو يحتلّ المرتبة الخامسة بين أكثر بلدان المنطقة المستقبلة للمهاجرين، إلى جانب البلدان النفطية الغنية (السعودية، الإمارات، قطر، والكويت)، والمرتبة العاشرة لأكثر البلدان المصدِّرة للمهاجرين، إلى جانب البلدان الفقيرة الكثيفة السكان.
بعيداً من هذه الصورة الوصفية، تعبّر الأرقام المذكورة عن إحدى السمات الرئيسة للنموذج الاقتصادي اللبناني، المولّد للبطالة والمرتكز في تمويله على تصدير البشر وليس السلع والخدمات. فقد أدّت تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج دوراً محورياً في توفير العملات الأجنبية وزيادة الودائع المصرفية من دون مقابل، أي من دون عمل أو إنتاج في الاقتصاد الحقيقي المحلّي. وأسهمت هذه التحويلات في تمكين الكثير من الأسر المقيمة على الاقتراض والاستهلاك بأكثر مما يتيحه لها دخلها الفعلي. ووفق تقرير «الإسكوا»، بلغت قيمة التحويلات من الخارج إلى لبنان في عام 2016 نحو 7.3 مليارات دولار، فيما بلغت قيمة التحويلات من لبنان إلى الخارج نحو 3.6 مليارات دولار، وبالتالي بلغ صافي هذه التحويلات نحو 3.7 مليارات دولار لمصلحة لبنان. إلّا أن إدارة الإحصاء المركزي أعلنت منذ أيام نتائج الحسابات القومية لعام 2017، وأشارت إلى أن صافي التحويلات في عام 2016 كان أقلّ من تقديرات «الإسكوا»، وبلغ نحو 2.5 مليار دولار، والأهم من ذلك، أن هذا الصافي يتراجع وهو لم يتجاوز 1.2 مليار دولار في العام الماضي، ما يعني أن تراجع التحويلات يضاف إلى تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر وتراجع نمو ودائع غير المقيمين ليشكلوا عناوين أساسية لأزمة التمويل التي يواجهها لبنان حالياً.
تتزايد الأدلة على أنّ مسارب الهجرة لم تعد مفتوحة أمام الشباب اللبنانيين كما كانت في السابق، نتيجة ظروف وعوامل كثيرة، وهذا سيفاقم مشكلة البطالة في لبنان، إذ إن الاقتصاد اللبناني لا يخلق إلّا وظيفة واحدة لكل 6 وافدين جدد إلى سوق العمل. وتتركّز الوظائف الجديدة في الأنشطة ذات الإنتاجية المنخفضة، وعلى مدار العقد الماضي، أمّنت التجارة الداخلية نحو 47.3% من الوظائف الجديدة، والخدمات العامّة والخاصّة 34.7%، والبناء 10% (منظّمة العمل الدولية). وهكذا، وفي انعكاس لبنية الاقتصاد، وفق ما يقول البنك الدولي في تقريره الأخير عن لبنان، هيمنت الأنشطة ذات الإنتاجية المنخفضة على نمو العمالة، بينما كان نمو الأنشطة ذات الإنتاجية العالية، مثل الإتصالات والزراعة والصناعة، هامشياً. وبما أن العمالة الأجنبية كانت تهيمن على الأنشطة ذات المهارات المتدنية (الأقل إنتاجية)، لم تُترجَم معدّلات نمو الناتج المحلّي الإجمالي بخلق فرص عمل كافية للبنانيين.
تشكّلت حركة الهجرة من لبنان وإليه عبر مسار طويل من السياسات والمصالح، وتفاقمت بعد الحرب الأهلية، وأدّت إلى تحويل اليد العاملة اللبنانية إلى سلع للتصدير ومصدراً للتحويلات المالية، وهو ما أفقد الاقتصاد اللبناني الكثير من إمكاناته وقدراته التنافسية، وأدّى إلى تدهور إنتاجيته وتقلّص فرص العمل والقوّة الشرائية للأجور... وبالتالي أوجد حلقة مُغلقة، إذ يضطر المزيد من العمّال اللبنانيين إلى الهجرة نحو بلدان أغنى من لبنان، طلباً للعمل والدخل والتعليم، فيما يستقطب لبنان المزيد من العمّال الأجانب من بلدان أفقر منه. الآن، في ضوء المؤشّرات الأخيرة، يبدو أن هذا المسار بدأ يتعطّل، ويفرض البحث عن مسارات اخرى، وهي مسارات داخلية نحو بناء اقتصاد مُنتج قادر على توفير فرص العمل والعيش الكريم.