عشر سنوات مرت على أحداث 11 سبتمبر، ولكنها لم تكن كافية لجعل الصورة واضحة في أذهان قطاعات واسعة عبر العالم عموماً، والأميركيين على وجه الخصوص. وهناك أسئلة كثيرة ظلت بلا أجوبة تراود أوساطاً من الشعب الاميركي بشأن صحة وشفافية المعلومات التي قدمتها الأجهزة الرسمية، ويذهب التشكيك نحو نتائج التحقيقات التي قدمتها لجان عديدة من الأجهزة المختصة في الاستخبارات والمباحث الفدرالية والكونغرس،


ومردّ ذلك إلى عدم استيعاب الشارع الأميركي حتى اليوم لطبيعة ردّ الفعل الذي تصرّفت من خلاله إدارة الرئيس الاميركي السابق جورج بوش حيال حدث بهذه الأهمية والخطورة. ولا تقف حيرة الأميركي العادي فقط عند الظلال المعتمة الباقية من بعد الهجمات، والألغاز التي لم تجد تفسيرات واضحة لها، بل تعود إلى الوراء للبحث في أسباب التقصير الأمني الفادح الذي سمح بهذا الاختراق الكبير من قبل مجموعة كانت في غالبيتها مصنّفة إرهابية وخطيرة، ولذا كانت مرصودة ومتابعة من طرف أجهزة الاستخبارات الاميركية في خارج الولايات المتحدة وداخلها.
أكثر من ألف ضحية من المفقودين في البرجين لم يُتعرّف إليهم وتُحدّد هوياتهم حتى اليوم، والعديد من العائلات لم تتلق بيانات رسمية عن مفقوديها. أسئلة كثيرة ظلت تكبر بشأن أسباب الخلل، هل هو نابع من اعتبارات فنية أم هو مقصود؟ الكثيرون من الذين يثقون بقدرات أميركا الخارقة لا يصدقون العجز عن تقديم حصيلة نهائية تضع تفاصيل الحدث في نصابه، ولذا تحوّل قطاع واسع من الحائرين إلى توجيه اتهامات بالتواطؤ لإدارة جورج بوش، ونسبة 33 في المئة ليست قليلة، إنها تعني ثلث الشعب الأميركي. هؤلاء يعتقدون أن إدارة بوش متواطئة في التفجيرات، ومثلهم أو أكثر يعتبرونها مقصّرة، ولم تقم بواجبها على أحسن وجه، لا في لحظة حصول الهجمات، ولا على صعيد تقديم حصيلة منطقية بشأنها.
ظهرت روايات كثيرة خلال السنوات العشر، في إطار محاولات تسليط الاضواء على جوانب من المأساة. ومن أميركا إلى أوروبا، تقدم العديد من الخبراء والباحثين في الشؤون الامنية والسياسية بأطروحات عديدة، تضع إدارة بوش في مرمى الاتهام. وبعيداً عن نظرية المؤامرة، هناك إجماع في أوساط هذه الفئات على أن هناك جانباً خفياً في هجمات 11 سبتمبر عملت الادارة عن قصد على طمسه، وينطلق البعض من الأجواء التي سبقت هذا التاريخ، وكانت فاتحتها انتخاب جورج بوش بطريقة مواربة. ويركز هؤلاء على شخصية بوش المأزومة وغير الخاضعة لضوابط منطقية، وكذلك تركيبة الفريق الذي أحاط به، وهو في غالبيته من عالم السلاح والبترول واليمين الرجعي المحافظ والأوساط المسيحية الصهيونية. وليس سراً أن هذا الخليط حمل مشروعاً خاصاً للقرن الحادي والعشرين، وكانت توحده أهداف الغزو العسكري لوضع اليد على الطاقة ومصادرها وطرق إمدادها، إضافة إلى تنشيط تجارة السلاح، وتقوية معسكر اليمين في إسرائيل، وفتح مواجهة مع الإسلام، العدو الجديد للغرب بعد انهيار الشيوعية والاتحاد
السوفياتي.
تطور الأحداث على الصعيد الدولي، خلال ولايتي بوش الأولى والثانية، زاد من قوة حجج المشككين في الرواية الرسمية لأحداث 11 سبتمبر. وقوّى منها الهجوم الكاسح على مدى سنوات عدة، ومن ذلك احتلال أفغانستان والعراق وتقويض السلطة الفلسطينية وإعادة احتلال مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني وتسميم الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ومحاولة فرض مشروع الشرق الأوسط الكبير بالقوة، وعدوان تموز على لبنان سنة 2006. وظهرت دراسات وكتب في الولايات المتحدة وأوروبا تقدم أطروحات تتحدث عن بحث إدارة بوش عن ذرائع كبيرة من أجل إطلاق حروبها في الطرف الآخر من العالم، حيث الثروات الهائلة والجغرافيات العصية والمعقدة والغنية في الوقت ذاته، إضافة إلى التحدي المستقبلي الذي تمثله القوى الناهضة في شرق آسيا كالصين. وعلى مدى السنوات الماضية، تمحورت الأطروحات حول جملة من الاسئلة والقضايا، منها مشروع «مافيا بوش» لاحتلال العراق قبل 11 سبتمبر، وضرورة البحث عن مسوغات للقيام بذلك، ويعطف الكثيرون هذا التوجه على تصريح وزير الدفاع في تلك الفترة دونالد رامسفيلد الذي رأى أن العراق هو المسؤول عن هجمات 11 سبتمبر، وهناك قراءات كثيرة تتوقف طويلاً عند عائلة بوش وموقفها من العراق، حيث فشل الأب في إطاحة صدام حسين في حرب عاصفة الصحراء سنة 1991 ونزوع الابن إلى الأخذ بثأر أبيه، إضافة إلى ما يمثّله النفط العراقي من إغراء لدى محيط بوش. والأطروحة الثانية تنطلق من العلاقات الخاصة والتجارية بين عائلتي بوش وبن لادن، التي تذهب بعيداً في القدم، ولم تعكرها المسيرة الجهادية التي بدأها أسامة بن لادن بعد عودته من أفغانستان في مطلع التسعينيات، وكان عمادها جمع شمل الأفغان العرب حول مشروع للتغيير بالاعتماد على القوة المسلحة، وهناك واقعة يُتوقّف عندها دائماً، وهي تتمثل في زيارة مجموعة من الاستخبارات الاميركية لزعيم القاعدة خلال استشفائه في دبي قبل شهرين من هجمات 11 سبتمبر. والأطروحة الثالثة هي مراقبة الاستخبارات الأميركية للمجموعة التي نفّذت الهجمات، وهنا نُشرت كمية كبيرة من المعلومات، تبدأ بإعطاء القنصلية الاميركية في جدة لتأشيرات دخول لمجموعة السعوديين من القاعدة الذين شاركوا في الاعداد وتنفيذ الهجمات، ثم إن المجموعة التي كانت في المانيا، من أمثال المصري محمد عطا واللبناني زياد الجراح، أكدت المعلومات اللاحقة أن أفرادها كانوا تحت مرأى ومراقبة أجهزة الاستخبارات الأميركية والألمانية، ولم يجب أحد على سؤال كيف تسنّى لهؤلاء دخول الولايات المتحدة وتُركوا من دون مراقبة، وهم يُعدّون لعمل بهذا الحجم؟ ويضاف إلى ذلك التحقيق الخاص بالمدمرة الأميركية «يو اس اس كول» في اليمن في تشرين الأول سنة 2000، والذي انتهى إلى مسؤولية القاعدة، وهنا جرى الحديث طويلاً عن إمكان للحيلولة دون حصول هجمات 11 سبتمبر، ذلك أن الاستخبارات والمباحث توصلتا إلى تحديد هوية بعض مخطّطي الهجوم ومنفذيه وجرى الربط بينهم وبين المسؤولية عن عمليتي السفارتين الاميركتين في نيروبي ودار السلام في آب 1998، وقام جهازا «سي آي إيه» و «أف بي آي» بتتبع بعض أفراد المجموعة من دبي إلى بانكوك وكوالالمبور، وجرى التجسّس على اجتماعاتهم وتصويرهم. ومن الأمور الغريبة جداً، التي ظلت لغزاً حتى الآن، أن اثنين من هؤلاء، هما نواف الحازمي وخالد المحضار، جرى التأكد من دورهما في العمليات الثلاث، وفي العاشر من سبتمبر عُمّم اسماهما في برقية أرسلت لوزارة الخارجية الاميركية من أجل عدم تمكينهما من تأشيرة لدخول الولايات المتحدة، ولكن المسألة كانت بلا فائدة، لأنهما كانا قد دخلا الأراضي الأميركية قبل ذلك، وشاركا في العملية، وهما من قادا الطائرة التي ارتطمت بجدار البنتاغون.
أسئلة كثيرة لم تجد أجوبة حتى اليوم تتعلق بموقف الولايات المتحدة من السعودية واليمن في ما يتعلق بالحرب على الإرهاب. ورغم أن واشنطن توصلت إلى نتائج مؤكدة بشأن احتضان الرياض وصنعاء لتنظيم «القاعدة»، فقد استمرت العلاقات كما هي حتى اليوم. وفي الحالة الأولى حفلت الصحف الاميركية بمعلومات عن تمويل القاعدة من طرف هيئات رسمية سعودية وأمراء من العائلة الحاكمة وإصدار فتاوى من قبل شيوخ السلفية تحضّ على الإرهاب. ويؤكد الصحافي الفرنسي، اريك لورون، في كتابه «الجانب المخفي من 11 سبتمبر»، أن الأجهزة السعودية تتحمّل مسؤولية في 11 سبتمبر، ويتحدث عن وفاة ثلاثة من الأمراء السعوديين بطريقة غامضة، بعدما جرى توجيه اتهامات إلى السعودية بتمويل القاعدة.
أما في الحالة الثانية، فإن الحكم اليمني الذي سارع إلى تبنّي دعوة بوش للحرب على الإرهاب، استمر في التستّر على نتائج التحقيقات بصدد مهاجمة المدمرة «يو اس اس كول» في مرفأ عدن. ورغم أن العملية كانت الأولى للقاعدة في صورة رسمية، لم تضغط الولايات المتحدة على مدى سنوات على حكم الرئيس اليمني لتسليم المطلوبين، وبالتالي بقيت السعودية واليمن بيئة حاضنة حقيقية للتنظيم الذي شارك بفعالية في العمليات العسكرية للقاعدة في العراق. وإلى اليوم يعدّ التنظيم السعودي اليمني من أنشط فروع القاعدة، ولكن الولايات المتحدة لم تتخذ إجراءات فعلية ضد حكم صالح الذي أكد مساعدوه أنه على صلة وثيقة بالاستخبارات الأميركية، وأنه هو من ربّى القاعدة واحتضنها واستخدمها في حروبه الداخلية والخارجية.
أسئلة كثيرة لم تجد أجوبة حتى اليوم تدور حول غموض الرواية الرسمية، وتجاوز صدى الأسئلة الولايات المتحدة إلى العالم كله. ولم تقتصر الشكوك على الرأي العام، بل أشكل الأمر على أوساط أمنية وأكاديمية وإعلامية. الكل يتساءل عن سبب عدم إقدام سلاح الجو الأميركي على إسقاط الطائرات المخطوفة، ولماذا أُبعد جهاز المباحث الفدرالية عن التحقيق وأُسند إلى الجيش الذي اعتبر نتائجه من بين أسرار الدولة وتحفّظ على نشره؟ وما هي المبررات التي حالت دون إجراء تحقيق في المضاربات في البورصة عشية الهجمات وبعد وقوعها، ومن هم الذين استفادوا من اختلال الأسواق المالية، هذا إضافة إلى الغموض الذي أحاط بانهيار البرجين، وهل كانت هنالك متفجرات مزروعة في داخلهما؟ والسؤال الأكبر هو ما هي مبررات إصدار قانون يحدّ من الحريات بعد أسبوع من الهجمات؟