مشهد ركاب القطار الصباحي في نيويورك لم يتغير على مدى خمسة أعوام. عدد من يطالع الصحف ضئيل قياساً برحلات مماثلة في مدن أوروبية، وغالبية الصحف التي يقرأونها إما توزع مجاناً وتركّز على الإعلانات، أو أنها محلّية إلى أبعد الحدود ولا تتناول قضايا العالم. معظم الركاب يسدّون آذانهم بسمّاعات ليستمعوا إلى موسيقاهم المفضلة بصوت عال. ليس هناك ثقافة طاغية تجمع سكان المدينة التي تعدّ عاصمة الفردية الرأسمالية.


إنهم لا يتناقشون بجدية في الساحات العامة على طريقة هايدبارك كورنر في لندن. وما دامت الأمور لا تعني أحدهم مباشرة، فإنها تبقى في دائرة الجدل على مستوى النخب الذين ينقلون آراءهم إلى السكّان في برامج الحوار الإذاعية والتلفزيونية المسائية، أو عبر مواقع النقاش المنتشرة على الإنترنت.
سكان نيويورك بعد مرور 10 أعوام على هجمات 11 سبتمبر، نجوا من كارثة إعصار «أيرين»، التي كان يمكن أن تلحق بهم أضراراً أفدح بكثير من ذاك الهجوم الإرهابي، الذي ترك ندباً كبيراً في عمران المدينة وفي ذاكرة الحي الجنوبي من جزيرة مانهاتان. ناطحات سحاب جديدة برزت في المكان. وأخرى لا تزال في طور البناء بالرغم من شحّ الموارد، وغياب الأفق الاقتصادي بعد انزلاق الاقتصاد الأميركي إلى أصعب وأعقد أزمة في تاريخ الرأسمالية عامة. أزمة تؤدي دوراً في تسعير الحملات الشوفينية على الأقليات في أوروبا، كما في الولايات المتحدة. والخشية كل الخشية في أوساط الجالية الإسلامية الأميركية من أن تتمخض عشر سنوات من الحقن الإعلامي إلى عمليات إرهابية تطالهم، كما حدث من تلطيخ لواجهة أحد مساجد ولاية ميتشغان أخيراً. أما ما جرى في النرويج قبل شهرين من تفجير مبنى حكومي وارتكاب النرويجي، أندرز بريفيك، مجزرة راح ضحيتها 76 نرويجياً وجرح العشرات، فله جذوره التحريضية العقائدية في فكر التيارات المعادية للإسلام في الولايات المتحدة وتمويل صناديق وجمعيات منظمة تعمل ليل نهار على تعبئة الرأي العام الأميركي ضد المسلمين والإسلام. فوجد الباحثون أن بيان بريفيك التأسيسي، المؤلف من 1500 صفحة، تضمّن مئات الإشارات إلى أسماء وأفكار ينادي بها متطرفون يمينيون في الولايات المتحدة ينتمون إلى مراكز أبحاث ومواقع متعصبة في بغضها للمسلمين.
ربما لم يعلم المجتمع الأميركي الكثير عن تلك المنظمات والهيئات الخفية، إلا أن تأثيرها على الرأي العام الأميركي، غير المتعمّق بالأمور العقائدية، يبقى بالغاً. ذلك أن بساطة الأميركي تجعله سريع التجاوب مع الأفكار المعلبة الجاهزة، يتقبلها بقليل من التمحيص والشكّ، ولا يعطي أهمية لأبعادها وتأثيراتها على مستقبله.
من تلك الشخصيات المؤثرة، التي تشاهد غالباً على قنوات إخبارية مثل «فوكس نيوز» الباحث المعادي للمسلمين روبرت سبنسر، صاحب موقع يدعى «جهاد ووتش». سبنسر كان من كبار الملهمين لفاشية بريفيك الدموية التي كانت غايتها التحذير من «خطر أسلمة الغرب» و«تحطيم الثقافة الغربية». وهناك أيضاً موقع «أطلس شراغز»، لباميلا غيلار، الوثيقة الصلة بسبنسر. يقول الباحث الأميركي، فايز شاكر، إن اسم سبنسر ورد 162 مرة في البيان التأسيسي لحركة الفاشستي النرويجي، فيما ظهر اسم باميلا غيلار 12 مرة. وهناك إشارات إلى دافيد هوروفيتس صاحب موقع «مركز الحرية» الذي يروّج أفكار الكراهية ضد المسلمين.
أما مارك سايجمان، الضابط السابق في الاستخبارات الأميركية «سي.آي.إيه» والخبير في شؤون مكافحة الإرهاب، فقال، في مقالة له أخيراً، «إن كتابات المعادين للمسلمين توفّر الأرضية الفكرية التي خرج منها برايفيك. والخطاب وحده لا يمر من دون تكلفة».
منذ أيلول 2001، عرفت الولايات المتحدة فيضانات من المستشرقين المتخصصين في «علم الإرهاب الإسلامي» التي تغذي أحقاداً لن تنمحي آثارها في المدى القريب. ولقد غرف بريفيك النرويجي منها ونشر دعاية لها في بيانه الطويل، منها «مركز السياسة الأمنية»، و«منتدى الشرق الأوسط»، و«مشروع تحري الإرهاب»، وجميعها تحذر من مخاطر «تسلل الشريعة الإسلامية وهيمنتها على الغرب» وتهديدها «لكل من هو غير مسلم».
هذه المنظمات والهيئات اليمينية المتطرفة، التي تنشر أفكاراً إرهابية وتحض على العنف ضد الأقليات، تتضارب مباشرة مع خطط مكافحة الإرهاب التي تتبعها الإدارة الأميركية. خطط ترمي في نهاية المطاف إلى إشراك الحكومات والشعوب الإسلامية في الحرب على المتطرفين الإسلاميين، وتعقبهم لما يمثّلونه من تهديد للمصالح الغربية. لا لشيء إلا لأن الولايات المتحدة وأوروبا معاً عاجزتان عن محاربة الإسلام بما يمثله من نحو 1.4 مليار نسمة. وهذه الحركات برهنت على أنها تشجع الشبان المسلمين على تبني أفكار تنظيم «القاعدة».
تاريخ الولايات المتحدة مليء بحالات شيطنة طوائف وجاليات بأكملها. ومن السهل على المفكرين الشاذين رسم صور نمطية وتعميمها على مواطنين لا يتمتعون بحصانة عقائدية. هذه الأفكار والحملات مورست في السابق ضد الطائفة المسيحية الكاثوليكية. وسادت العقيدة المكارثية في الخمسينيات، التي صنّفت كل معترض على السياسة الأميركية بأنه «شيوعي هدام»، ومنعت حتى قادة عسكريين غربيين، مثل القائد البريطاني مونتي غومري، الذي قاد القوات الأميركية في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، من زيارة الولايات المتحدة. وخلال الحرب العالمية الثانية نفسها جُمِّعت الجالية اليابانية في معسكرات اعتقال في الصحراء بعد تجريد أفرادها من أملاكهم وإفقارهم تماماً، بحجة الخشية من «الطابور الخامس». وتحت الحذر من تغلغل الشيوعية والغزو «الأصفر» إلى الولايات المتحدة، منع الجنس الصيني لعدة عقود من الهجرة إلى بلاد العم سام.
عمدة نيويورك مايكل بلومبرغ شبّه حملة التخويف من المسلمين، من خلال التصدي لإنشاء المركز الإسلامي القريب من موقع البرجين في مانهاتان، بالمشاعر المعادية للكاثوليك التي سادت في القرن الثامن عشر. حينها منع الكاثوليك من ممارسة عباداتهم، بل تعرض رجال الدين منهم للتوقيف والتنكيل. ولم تُبنَ أبرشية كاثوليكية، في شارع باركلي القريب من مكان برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك حتى أواخر الثمانينيات من القرن نفسه. وكانت هجمات 11 أيلول 2001 حافزاً كبيراً لتكوين هيئات ومنظمات قد تكون قادرة على التأثير في نتائج الانتخابات التشريعية في السنة المقبلة. وأصوات المسلمين المعتدلين لا تزال تسمع على نطاق ضيّق؛ لأن كسب أصوات الناخبين يحتاج إلى خطاب أقرب إلى مشاعر عامة، صنعتها أجهزة إعلام متحيزة. بعد عشرة أعوام من الهجمات ينظر 37 في المئة من الأميركيين إلى الإسلام بعين الرضى، حسب استطلاع نظمته شبكة «أيه. بي. سي» ـــــ وواشنطن بوست، فيما يُظهر استطلاع آخر، أجرته مجلة تايم العام الماضي، أن 28 في المئة من الناخبين لا يؤمنون بأن من حق المسلمين التمثيل في المحكمة العليا. وهناك نسبة الثلث ترفض ترشيح أي مسلم لرئاسة الولايات المتحدة.