أن تتعرض لتفتيش دقيق في المطارات والموانئ فقط للاشتباه في أنك من أصول عربية. أن تكون اتصالاتك الهاتفية ومراسلاتك الإلكترونية خاضعة للمراقبة من دون علمك. أن يجري اعتقالك ونقلك إلى مكان سرّي من دون أن يتطلب تحقيق ذلك عناءً كبيراً. أن تضطر إلى تعبئة استمارة مليئة بالبيانات لمجرد تحويلك مبلغاً مالياً محدوداً. ممارسات كانت حتى ما قبل الحادي عشر من أيلول ٢٠٠١ يصعب تخيّل حدوثها. لكن ما قبل الحادي عشر من أيلول ليس كما بعده على الإطلاق، إن داخل الولايات المتحدة، أو في أي بقعة أخرى في العالم، بعدما تحولت الحريات إلى الضحية الأبرز تحت ستار الأمن ومتطلباته.

متطلبات جعلت من عمليات استقطاب المشرّعين لسنّ قوانين متشددة مسألة لا تحتاج إلى أي جهد، في ظل هاجس الخوف المنتشر من تكرار سيناريو 11 أيلول، وهو ما عبّر عنه صراحة عضو الكونغرس

الأميركي بيتر كين الذي يرأس لجنة مجلس النواب للأمن الداخلي، بدفاعه عن هذا التوجه قبل أيام، قائلاً «إجراءات مثل «قانون باتريوت»، وعمليات التفتيش في المطارات، وأمن الموانئ، كل ذلك هو بالتأكيد أفضل من احتراق الناس حتى الموت أو الاضطرار إلى رمي أنفسهم من ارتفاع 106 طبقات».
والظاهرة التي بدأت في الولايات المتحدة في أعقاب 11 أيلول سرعان ما تحوّلت إلى عدوى عمّت مختلف دول العالم. فشهدت دول أوروبية، مثل فرنسا وبريطانيا، التي كانت تتغنى بسجلها في الدفاع عن حقوق الإنسان، تعزيزاً غير مسبوق لصلاحيات قوات الشرطة والجيش في مقابل تقليص الرقابة على مشروعية أعمالهم تحت ستار حماية الأمن ومكافحة الإرهاب. الحال نفسها في ألمانيا التي تتجه على ما يبدو إلى إقرار تعديلات قانونية جديدة تمنح السلطات الحق في الحصول على البيانات الشخصية من البنوك والسجلات الرسمية، فضلاً عن إجبار المحامين ومستشاري الضرائب تزويد سلطات الأمن بالمعلومات المتعلقة بحركة رؤوس أموال زبائنهم في حال شكهم في أنها قد تخدم أنشطة إرهابية ومشبوهة.
أما عربياً، فاتُّخذ الإرهاب ذريعة في العديد من دول المنطقة للإبقاء على قوانين الطوارئ لإسكات المعارضين بحجة مكافحة الإرهاب، كما كانت الحال عليه في مصر والجزائر وسوريا، قبل اندلاع الاحتجاجات الشعبية فيها. وفي السعودية، لم تجد منظمة «هيومن رايتس ووتش» في مشروع قانون الإرهاب الجديد، الذي تسعى الرياض إلى اعتماده، سوى محاولة لـ«إضفاء الصفة القانونية على ممارسات وزارة الداخلية غير القانونية»، بعدما خلصت إلى «أنه يجمع المعارضة السياسية السلمية بمرتكبي أعمال العنف في صف واحد».
وإن كان تقليص الحريات تحوّل إلى سمة مشتركة في جميع دول العام، فإن بعض الفئات دون الأخرى وجدت نفسها أكثر عرضةً لانتهاك حقوقها. ففي خضم هذه الأجواء، وجدت الأقليات الدينية، وخاصة المسلمة منها، نفسها فجأة أنها وضعت في دائرة الاتهام بالتورط أو التعاطف مع الإرهاب حتى يثبت عكس ذلك، فباتت أنشطتها منذ ذلك الحين تخضع لرقابة لصيقة، وذلك بالتزامن مع اجتياح ظاهرة «الإسلاموفوبيا» الدول الغربية وتشكيلها مبرراً لسن قوانين تطال المسلمين دون غيرهم، مستفيدةً من انتشار أفكار اليمين المتطرف. ضحايا إضافيون للوضع الجديد الناشئ في أعقاب 11 أيلول، تجسّدوا في المهاجرين الذين بات ينظر إليهم على أنهم مشتبه فيهم بالتسلل للقيام بأعمال تخريبية، فتحولت حياتهم إلى جحيم في معسكرات الاعتقال الجماعية التي حرصت الدول على إبقائهم فيها تمهيداً لإعادتهم إلى دولهم. الصحافيون أيضاً لم يكونوا في منأى عن تداعيات مرحلة ما بعد 11 أيلول، بعدما غدا أي انتقاد يوجّه ضد سياسات الدول في مكافحة الإرهاب يصنّف أنه يصبّ في خانة دعم الإرهاب، ويمنح الدول الذريعة لاعتقالهم، حيث وصل عدد الصحافيين المحتجزين في عام 2010 إلى 145.
ونتيجة لهذه الممارسات، لم تكل المنظمات الحقوقية والناشطون المدافعون عن حقوق الإنسان، طوال السنوات الماضية، من رفع الصوت عالياً، منتقدة التوجه المتعمّد للقضاء على الحريات، وخصوصاً بعدما تبيّن في أعقاب مرور 10 سنوات على أحداث الحادي عشر من أيلول أن تشديد القوانين لن يتوقف عند حدّ معين، بل على العكس من ذلك يزداد باطّراد، مستفيداً من إبداء فئات واسعة من المواطنين استعدادهم للتضحية بحرياتهم.
استعداد تجلّى من خلال الاستطلاع الذي نشر قبل أيام، وأشار إلى أن ثلثي سكان الولايات المتحدة على استعداد للتضحية ببعض الخصوصية والحريات في الكفاح ضد الإرهاب، في مقابل إبداء 54 في المئة فقط ميلهم إلى الحفاظ على حقوقهم وحرياتهم في حال أجبروا على الاختيار بينها وبين حماية الناس من الإرهابيين، فيما لم يجد الرئيس الفخري للفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، باتريك بودوان، من تلخيص أفضل للوضع الذي آلت إليه الحريات والحقوق بعد كل هذه السنوات سوى القول إن «الدعاية التي تستمد شرعيتها من انتهاكات الحقوق والحريات بحجة مكافحة الإرهاب والتي جرى نقلها من خلال الاستغلال والتلاعب بالخوف أدت إلى التخلي التدريجي عن القيم الأساسية للإنسانية».