في مراجعة لعدد كبير من البرقيات الصادرة من السفارة الأميركية في بيروت، خصوصاً تلك الموقعة من السفير السابق جيفري فيلتمان، تبرز إشكالية مزدوجة، في أكثر الفترات حساسية (2005–2006). الحديث يدور هنا عن رئيس المجلس النيابي نبيه بري، حيث يتضح أن الرجل الذي لم ينقطع عن استقبال الدبلوماسي الأميركي كان يتعامل معه إلى حدود بعيدة بالطريقة نفسها التي يتعامل بها مع السياسيين المحليين، حيث كان بري يلجأ إلى المناورات من هنا وهناك، إما لإيصال رسالة أو لاحتواء موقف محرج. لكن في المقابل، كان فيلتمان، ومن خلفه الفريق الذي يمثله، يتصلون ببري مع قدر كبير من الشغف والرغبة في الوصول معه إلى حقائق تحقق أهم الأهداف: الفصل بينه وبين حزب الله.


وتظهر تعليقات السفير في نهاية عدد من البرقيات التي تتضمّن محضره عن الاجتماع ببرّي، إصراره على وجود أرضية تتيح له تحقيق هدفه. ويستند فيلتمان في رؤيته هذه إلى لقاءات عدة أجراها مع وزراء ونواب من كتلة رئيس المجلس، وأن ما عبّروا عنه أمامه من انتقادات لحزب الله إنما يعبّر ضمناً – برأي فيلتمان – عن رأي رئيس المجلس. كذلك فإن فيلتمان سمع النائب وليد جنبلاط مرات عدة يحثه على التواصل مع بري معتبراً أن الأخير ليس «عدواً لنا». وفي ذلك تشير برقيات عدة للسفارة الأميركية تتضمّن حوارات مع قيادات من فريق 14 آذار، إلى أن هؤلاء «يتصرفون على أن بري هو بديل حزب الله في تمثيل الشيعة في لبنان».
في الملف الأبرز، المتصل بسلاح حزب الله، ينقل فيتمان عن بري «الذي يؤدّي دوراً إيجابياً» (
06BEIRUT895، 21 آذار 2006)، أن لديه «مخارج» لحل مسألة سلاح حزب الله من خلال الحوار، مشدداً على أنه «لا يبالي» باعتراض الرئيس السوري على الحوار، وهو ما يراه فيلتمان تطوّراً في موقفه.
أما في ما خص الأجواء التي رافقت حرب تموز فإن فيلتمان يقول «إن بري يعتقد أن حزب الله أخطأ حساب الرد الإسرائيلي عندما نفذ عملية خطف الجنديين الإسرائيليين،
ولكي يعزز فيلتمان موقفه يورد أن بري كان قد تحدث أمامه عن الغارات الإسرائيلية على الجنوب في أثناء الحرب قائلاً له «أحب القليل من العسل، لكنك إذا تناولتَ كامل الجرة فستمرض!»، قال بري ثم أرجع رأسه إلى الخلف مطلقاً ضحكة صاخبة.
ويعلق فيلتمان قائلاً: «بري هو بالتأكيد حليف لسوريا وإيران. لكنه السياسي اللبناني التقليدي القادر على التعايش مع كل العهود، ليس مرتبطاً ارتباطاً تاماً بهما، ومن الخطأ النظر إليه كنسخة مخففة عن حزب الله. إذا كان ثمة قدرة على فك تحالف بري التكتيكي مع حزب الله، فإن حزب الله لن يكون قادراً على استخدام السياسات الطائفية اللبنانية الغريبة من أجل نقض المبادرات التي لا توافق مصلحته (أو مصلحة سوريا). نحن واثقون من أن بري يكره حزب الله بقدر، أو أكثر، ما يكرهه سياسيّو 14 آذار؛ في النهاية، إن الدعم الذي يحصل عليه حزب الله (باستثناء ذلك الذي يقدّمه الجنرال ميشال عون الذي يتبعه اتّباعاً أعمى) يأتي من الشيعة الذين من الممكن أن يكونوا مع بري. إذا استطاعت إسرائيل أن تضعف حزب الله، فإن بري سيكون أكثر رغبة في إضعافه سياسياً. إنه بالتأكيد كان يشير إلى ذلك عندما تحدث بشكل إيجابي للمرة الأولى أمامنا عن القرار 1559. لكن وصفه بالعسل كان غير متوقع بالنظر إلى الموضوع، لقد رسم خطاً رفيعاً بين «هذا العمل الإسرائيلي يكفي» و»هذا كثير». نحن نظن أن نظرة بري إلى موقع ذلك الخط بعيدة نسبياً عن المكان الذي اختارت إسرائيل أن ترسمه فيه. على سبيل المثال، يظن بري أننا نقترب من النقطة التي تصبح فيها العملية الإسرائيلية منتجة سلبياً للأهداف السياسية. بناءً على سير الضربات الإسرائيلية، نحن نشك في أن إسرائيل وصلت إلى هناك».
وفي الملف الداخلي يعود فيلتمان إلى موقع بري في الحياة الداخلية. ويشير إلى أنه بعد إعادة انتخابه رئيساً لمجلس النواب، زاره في مكتبه (البرقية 05BEIRUT2153، الصادرة يوم 30 حزيران 2006) ويقول فيلتمان إن بري بدأ اللقاء «بالهجوم الذي يتسم به عادة»، متهماً الولايات المتحدة الأميركية بأنها كانت ترفض إعادة انتخابه. أكد بري للسفير الأميركي أنه سيحرص على أن يكون المجلس النيابي فعالاً في محاسبة الحكومة. وعندما سأله السفير عما إذا كان جاداً في تصريحاته المطالبة بالإصلاح، رد بري قائلاً: بالتأكيد، شاهدوني وحسب. وكرر العبارة ذاتها، مشيراً إلى أنه سيجري مقابلة تلفزيونية تكون هي الأولى له منذ عقد، وسيتحدث خلالها عن الإصلاح».
فيلتمان يضيف أن بري «أكد حاجة لبنان إلى الدعم الأميركي والدولي من أجل تطبيق برنامج الإصلاحات، فرد السفير الأميركي بالقول إن على لبنان أن يتوقع أن تكون المساعدت مشروطة بتنفيذ الإصلاحات، بناءً على تجربة باريس 2، فرد بري قائلاً: بالتأكيد، وسنفعل ذلك».
ويضيف: «سألني بري عن الطريقة التي ستتبعها الولايات المتحدة لتنفيذ القرار 1559، إذ إن إرسال الجيش لنزع سلاح حزب الله سيؤدي إلى عدم الاستقرار في لبنان». رد السفير قائلاً إن حكومته والمجتمع الدولي لا يريدان رؤية عدم الاستقرار في لبنان، لكنهما لا يريدان للخوف من عدم الاستقرار أن يشل متطلبات القرار 1559.
وحسب فيلتمان فإن بري اقترح المباشرة «بنوع ما من الخطوات ضد الجبهة الشعبية القيادة العامة التابعة لأحمد جبريل». ووعد بالتأثير على حزب الله من أجل ضمان الاستقرار في الجنوب. وقال بري إن طرح قضية «القرى السبع» مجرد «مزحة»، لكنه في الوقت عينه شرح للسفير طويلاً وجهة نظره بشأن الملكية اللبنانية للقرى السبع. وأكد بري أنه لن يكون أبداً معادياً لسوريا».

تعليق فيلتمان

في تعليقه على البرقية، قال فيلتمان: «ليست لدينا أي أوهام حيال جدية ما يقوله، لكن نبيه بري الجديد والمطوّر هو بالتأكيد محاور أكثر تفهماً من الطراز الانفعالي السابق». ويعيد فيلتمان التطور في شخصية بري إلى الانتقادات العلنية التي واجهها قبل إعادة انتخابه رئيساً لمجلس النواب، ويقول إن حديثه عن الإصلاح «كان موسيقى غير متوقعة». وتوقع السفير الأميركي أن يستمر برّي «في غناء نغمة الإصلاح المحببة لبعض الوقت»، مؤكداً أنه (أي السفير) «والشعب اللبناني، سيبقون مشككين إلى حين رؤية تطور الأداء في البرلمان وفي سلوكه هو (بري)».
وفي برقية أخرى تحمل رقم 06BEIRUT517 (21 شباط 2006) يقول فيلتمان:
«أكد بري للسفير الأميركي جيفري فيلتمان موافقته على إزاحة لحود من رئاسة الجمهورية، شرط أن يُقدَّم اسم مقبول له. ويصف دعوة سعد الحريري إلى التظاهر لإجبار لحود على التنحي بـ»الغبية»».
ثم في البرقية رقم 06PART09 (2 آذار 2006) «يؤكد بري لوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أنه يقف إلى جانب البطريرك الماروني نصر الله صفير في مسألة رئاسة الجمهورية واستبدال الرئيس إميل لحود. وهو ينتقد من يطالبون بتأجيل لقاءات التشاور التي دعا إليها، مهدداً بإلغائها إذا أصر البعض على إرجاء موعدها».
(الأخبار)