كما في كلّ الدول العربيّة، تأثّر التونسيّون بما كان يحصل على أرض لبنان في تموز وآب 2006. كان هناك تضامن شعبي وحكومي وإعلامي مع اللبنانيين، وحفلت الصحف التونسية بمقالات تهاجم إسرائيل، والولايات المتحدة لتقديمها المساندة غير المشروطة لها. هذه المقالات كانت تؤرق موظفي السفارة الأميركية في تونس، ويبدو ذلك جلياً من البرقيات التي أرسلوها إلى وزارتهم خلال الحرب، وما بعدها. إلى جانب ذلك، تكشف هذه البرقيات، القليلة عدداً، عن مواقف الوزراء التونسيّين من الصراع وحزب الله.


ونعرف من برقيات تونس موقف رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة الذي أعلنه أمام الجامعة العربية في السرّ، وهو لا يختلف عن مواقفه العلنية. ففي 13 تموز، اجتمع السنيورة مع السفراء العرب في تونس، قبل اجتماع الجامعة العربية. وفي البرقية المؤرخة في 14 تموز (06TUNIS1785) التي تحتوي على محضر لقاء بين السفير وليم هادسون، الذي كان على وشك مغادرة البلاد، ووزير الدولة للشؤون الخارجية حاتم بن سالم، نعرف ما دار في هذا الاجتماع. فقد قال بن سالم لهادسون إنّ السنيورة أبلغ السفراء العرب في اليوم السابق أنّ حزب الله هو حالة معزولة في لبنان ولا يمثل الحكومة اللبنانية. وأضاف السنيورة، وفقاً لبن سالم، إنّ حزب الله لم يكن يملك حق جرّ لبنان إلى حرب. وتوقف بن سالم عند موضوع تصويت مجلس الأمن في الأمم المتحدة، وقال إنّ حكومته تدخلت للتأجيل، لكنّها أتت متأخرة. وفي ما يتعلق بمضمون القرار، قال بن سالم: من المفهوم أنّ إسرائيل «ستردّ بطريقة قاسية» في هذه الظروف، لكنّه انتقد لجوء رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت الى العنف الكبير.
في زيارة أخرى وداعية للسفير هادسون، هذه المرة الى وزير الخارجية عبد الوهاب عبد الله في 18 تموز، كان لبنان وغزة على جدول الأعمال أيضاً. فالوزير عبد الله، الذي تسخر برقيات أخرى من هواياته وتصرفاته، اشتكى (TUNIS061847) من الوضع الإنساني «الخطير» في لبنان، متوقعاً ألا ينتهي العنف قريباً. وأضاف عبد الله إنّه «كقانوني مصدوم من السماح لمجموعة مسلحة بأن تتحدى سلطة الدولة»، في إشارة الى حزب الله. وتحدث عبد الله عن عدد التونسيين الموجودين في لبنان وجهود السفارة لإجلائهم، فيما وضع السفير ملاحظة في البرقية عن ورود معلومات مختلفة إليه، ما يشير الى أنّ الوزير يبالغ في تقدير نوعية الجهود التي يقوم بها لحماية مواطنيه في لبنان. واشتكى الوزير من اضطرار حكومته الى مواجهة شعبها الذي يريد التضامن مع اللبنانيين والفلسطينيين، ومن أنّ بعض الأحزاب التونسية والمنظمات غير الحكومية تستغل الوضع لتتظاهر. ونقل السفير لوزارة الخارجية في واشنطن من أنّ هذه التظاهرات حفلت بشعارات مناهضة لأميركا وإسرائيل وأخرى تشيد بنصر الله.
في وثيقة أخرى (06TUNIS1924) بتاريخ 28 تموز، يكتب المكلّف بالأعمال في السفارة، ديفيد بالارد، عن ردود الفعل التونسية للحرب على لبنان وما يحصل في فلسطين: الحكومة، الإعلام، الشعب والمعارضة. فيما تنقل برقية في الأول من آب (06TUNIS1939) أنّ الحكومة التونسية قررت الحداد ثلاثة أيام على ضحايا مجزرة قانا. كما أنّ وثيقة أرسلت في اليوم نفسه (06TUNIS1943) تنقل مانشيتات الصحف المتعلقة بزيارة سعد الحريري الى تونس وطلبه الدعم للبنان.
أما وثيقة 4 آب (06TUNIS1988)، فتنقل مجدّداً عناوين الصحف في موضوع التضامن التونسي مع لبنان. ويكتب بالارد انّ «التقارير الصحافية والمعلومات المضحكة تعتبر أنّ التونسيين أصبحوا يعتبرون، أكثر من أي وقت مضى، أنّ حزب الله هو مقاتل من أجل الحرية يقف بنجاح في وجه المعتدي الإسرائيلي، وأنّ نصر الله يبدو كحامي الحقوق اللبنانية والعربية». ويضيف إنّ «اعتداء قانا» أضاف المزيد من الغضب تجاه اسرائيل. ويوضح أنّ المساندة الأميركية لإسرائيل في هذه الأزمة لديها تأثير سلبي على وضع الولايات المتحدة في رأي الناس وتزيد من الشكوك المحلية حول أهداف واشنطن في المنطقة. ويقترح بالارد أن تأخذ واشنطن خطوات ملموسة لتؤكد اهتمامها وقلقها من معاناة اللبنانيين الأبرياء المدنيين. ويضيف إنّ مثل هذه المبادرة يجب أن تكون إعادة الافتتاح الجزئي والسريع لمطار بيروت الدولي. ويضيف بالارد إنّ الالتزام الأميركي بإعادة فتح المطار وإعادة الحياة إلى طبيعتها في لبنان سيكون برهاناً واضحاً عن «مساندة أميركا لحكومة السنيورة» ويزيل المشاعر السلبية التونسية والعربية تجاه الولايات المتحدة.
كذلك يستمر الاهتمام بردود الفعل في وثيقة تعود إلى 11 آب (06TUNIS2084). وفي الملاحظات، يكتب بالارد انه يخاف من أن يؤدي ما يحصل، وسيادة الشعور المعادي للولايات المتحدة، إلى تدهور علاقة السفارة مع مصادرها من الجمعيات والمجتمع المدني والمستقلين، فيما تعلمنا وثيقة تعود لليوم التالي، في 12 آب (06TUNIS2085)، أنّ أحد موظفي السفارة سلّم مسؤول مديرية الأميركيّتين في وزارة الخارجية التونسية، مهدي فرشيشي، النقاط التي يجب التطرق إليها في اجتماع مجلس الأمن الذي سيعقد حول لبنان.
في المقابل، تنقل وثيقة صادرة في 16 آب (06TUNIS2111) ترحيب تونس بصدور القرار 1701. وتوضح الوثيقة أنّ المكلف بالأعمال، التقى أحد مسؤولي وزارة الخارجية وطلب منه معلومات عن أيّ قوافل إنسانية ستنطلق إلى لبنان.
بعد يومين من ذلك، في 18 آب (06TUNIS2144)، يرسل بالارد برقية أخرى عن الفرحة التونسية بـ«هزيمة الإسرائيليين». وبعد عرض ردود الفعل الرسمية وعناوين الصحافة، ينقل بالارد أنّه التقى مجموعة من قادة منظمات المجتمع المدني. ويقول إنّ هؤلاء قلقون من أنّ الأعمال الأميركية في المنطقة وارتفاع العداء لأميركا تقوي الإسلاميين المتطرفين وتعرض موقع المعتدلين وقدرتهم. وتنقل الوثيقة لقاءً بين موظف في السفارة وصلاح الدين الجورشي، الذي تقول الوثيقة إنّه عضو سابق في حزب النهضة الإسلامي. يقول هذا الأخير إنّ الحرب في لبنان ومساندة أميركا لإسرائيل قوّتا «حزب الله وغيره من المجموعات المتطرفة».
وكما لم تنتهِ الحرب وتبعاتها في لبنان بعد 11 آب، كذلك الأمر في تونس. فتنقل وثيقة في 25 آب (06TUNIS2227) أنّ الأحداث في لبنان لا تزال هي الطاغية في الإعلام وبين الناس. ويبدو من الوثيقة لقاء آخر مع مجموعات من المجتمع المدني أعادت التذكير بخطر نصر حزب الله على زيادة التطرف بين الشباب التونسي.