عندما نجحت «ثورة الكرامة» في إسقاط نظام زين العابدين بن علي، طرحت تساؤلات عديدة حول قدرتها على التحول إلى كرة ثلج تتدحرج لتصيب العديد من الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي، وفي مقدمها نظام حسني مبارك في مصر. ولاتجاه الأنظار نحو مصر دون غيرها من الدول العربية في ظل التظاهرات الغاضبة التي تشهدها منذ الثلاثاء الماضي أسباب عديدة، تتعدى الشكاوى من الفقر والبطالة لتطال موقع مصر في محيطها العربي وموقفها من الصراع في الشرق الأوسط.


ويمثّل الدور الإقليمي لنظام حسني مبارك، بوصفه حليفاً قوياً للولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة «محور الممانعة»، محركاً أساسياً يحكم مقاربة الإدارة الأميركية والدول الغربية لتطورات الأوضاع في مصر، ويؤثر في المواقف المعلنة لهذه الدول، التي اقتصرت حتى اللحظة على الدعوة إلى ضبط النفس وعدم استخدام العنف والسماح للمتظاهرين بالإدلاء بآرائهم بحرية، من دون أن تجرؤ على تبنّي خيار الشعب المطالب بالتغيير الكامل للنظام.
ورغم أن الادارة الأميركية أعربت في العلن عن اعتقادها بأن الحكومة المصرية مستقرة، مستندةً على ما يبدو إلى تقارير استخبارية، فإن تشديدها على مراقبتها للتطورات في الشارع المصري لحظة بلحظة، يؤكد إدراكها لخطورة المأزق الذي يواجهه النظام المصري. فالاضطراب في مصر، وبتأكيد المسؤولين في الإدارة الأميركية، «يمكن أن يخلط أوراق أجندة السياسة الخارجية الأميركية»، إذا أدت التحركات الاحتجاجية إلى استئصال أحد الحلفاء القيّمين بالنسبة إلى واشنطن. وتروّج الإدارة الأميركية لمخاوف من أن تأتي التحولات في العالم العربي، بما في ذلك مصر، بحكومات إسلامية معادية للولايات المتحدة، على غرار «النموذج الإيراني» الذي أفرزته الثورة الخمينية في عام 1979. لذلك ترى إلى استمرار النظام المصري بتركيبته الحالية، وفي غياب بديل واضح المعالم يمكن أن تنتقل القيادة إليه، أمراً ضرورياً. ورغم ذلك، فإن الولايات المتحدة، ومعها الدول الغربية، باتت غير قادرة على صمّ آذانها عن التحركات الاحتجاجية المطالبة بالتغيير في مصر. وهي تدرك جيداً أن مظاهر الأزمة في مصر مكتملة من فقر وبطالة وفساد، إلى جانب غياب التداول السلمي للسطة. ومن هذا المنطلق، تفضّل الولايات المتحدة، في الوقت الراهن، اتباع مقاربة ثنائية المسار، قائمة على تأييد حق المتظاهرين في الاحتجاج السلمي في موازاة التواصل مع المسؤولين المصريين لتشجيعهم على اتخاذ خطوات إصلاحية تحتوي غضب الشارع. إلا أن مواصلة هذا النهج قد لا تدوم طويلاً إذا استطاع المتظاهرون مواصلة احتجاجاتهم وتغيير المعادلة. وفي السياق، وصفت صحيفة «نيويورك تايمز» أمس الاحتجاجات بأنها لحظات حرجة في العلاقات المصرية ـــــ الأميركية، داعيةً واشنطن إلى محاولة إقناع مبارك «بقبول شرعية الاحتجاجات والبدء بالتحدث مع مجموعات المعارضة»، مشيرةً إلى أن «مصر بحاجة الى التغيير، والانتقال السلمي سيكون الأفضل للجميع».
وعلى غرار الاستراتيجية الأميركية، يسعى الفرنسيون والأوروبيون، حتى اللحظة، إلى محاولة النأي بأنفسهم عن اتخاذ موقف صريح داعم للتغيير في مصر، فيما سجل حديث وزير الدفاع الفرنسي، آلان جوبيه، لقناة «كانال +» تطوراً لجهة الاعتراف بـ«استبداد» النظام المصري. وفيما أكدت وزيرة الخارجية الفرنسية، ميشال إليو ماري أن «فرنسا لا تريد التدخل» في الشأن الداخلي المصري، لم يتردد جوبيه في القول إن النظام المصري هو «بالتأكيد نظام استبدادي»، وإن مصر «لا تملك ديموقراطية تتوافق مع المعايير» المتعارف عليها.
أما عربياً، فلم تجد الأنظمة المهددة بأن تتحول إلى «تونس أخرى» أمامها سوى خيارين، إما الصمت على غرار السعودية والأردن والجزائر، وإما تأكيد أن ما يجري في بلاد الفراعنة «يندرج ضمن الأوضاع الداخلية» التي لا ينبغي التدخل بها على حد قول وزير الخارجية السوري وليد المعلم. وحده الزعيم الليبي، معمر القذافي، اختار الاتصال بالرئيس المصري حسني مبارك للإعراب عن ثقته باستقرار المجتمع المصري وحفاظه على ما حققه من مكتسبات.
وعلى عكس صمت الأنظمة، أفردت الصحف العربية مجموعة من المقالات لمطالب التغيير التي تعم دول المنطقة ومن بينها مصر، وسط انتقاد لاستخدام القوى الأمنية المدججة على ما يبدو بعتاد حديث، العنف لتفريق المتظاهرين، في ظل خشية من أن تكون شحنة معدات مكافحة الشغب التي عدلت السلطات الفرنسية عن إرسالها إلى تونس بسبب سقوط بن علي، قد وجدت طريقها إلى مصر.
وأكّد ياسر الزعاترة من صحيفة «الدستور» الأردنية، أن المجندين الذين يقفون الآن في وجه المطالبين بالتغيير، «سيغيّرون موقفهم ذات يوم، حين يدركون أن هؤلاء الذين ينتشرون في الشوارع قد يكون أحدهم ابناً أو أخاً أو صديقاً أو قريباً، وجميعهم ينتفضون من أجل أن تعيش مصر بحرّية وإباء».
بدوره، رأى الباحث عريب الرينتاوي «أن الأمر يكاد يلامس ضفاف الانتفاضة في بعض العواصم (العربية) ـــــ القاهرة على سبيل المثال».
من جهة ثانية، رأى ماضي الخميس من صحيفة «الرياض» السعودية، أن «العرب بدأوا التغيير»، وأنّ «المياه الراكدة تحرّكت». أما شفيق الغبرا فأكد في مقال في صحيفة «الاتحاد» الإماراتية، أن «الحدث التونسي دق ناقوس الخطر أمام القادة العرب»، وأنه ينبغي ألّا يمرّ «وكأن تونس استثناء».