النهاية تقترب. ليست هذه خيالات العجز كما كانت الحال في هبّات سابقة ضد نظام مبارك. مصر منذ ٢٥ كانون الثاني مختلفة. القاهرة عاصمة مصر وقلبها، تتغير هندستها السياسية بنحو خاطف. أجهزة حراسة النظام حوّلت شوارع القاهرة إلى أقفاص تتحطم منذ يوم الغضب الأول، ومعها ثلاثة عناصر أخرى من أساسيات الدولة: الهيبة، القدرة على الفعل، وصناعة الأمن.

جموع ٢٥ كانون الثاني جديدة، خرجت عن الطوق، وغيّرت شكل المدينة بتكسير الأقفاص. المعارضة فوجئت مثلها مثل الدولة، لم تتخيّل إلا أنها تشاغب على الحكومة في ما تعتقد أنه تواصل بينها وبين أجيال جديدة. كسرت الأقفاص افتراضياً، ولم تجرب إلى حد كبير خبرتها في كسر أقفاص الواقع.
هذه أول العناصر غير المنظورة في واقع سياسي، قنواته مسدودة، وظلّ محروماً من المفاجآت طيلة ٣٠ سنة على الأقل. المفاجآت رهن حركة من عناصر غير منظورة في الواقع، تعمل تحت السطح، بنحو غير مسبوق، وتعيد رسم الخريطة السياسية.
سارت التيارات السياسية خارج حسبة التدجين التقليدية، عندما انفجرت قنبلة أطفال الفايسبوك، كما كانت المعارضة القديمة تطلق هذه التسميات لتستهجن ظاهرة الاهتمام بالشأن العام عبر صفحات المدونات والشبكات الاجتماعية.
الظاهرة أكبر الآن من لحظة ولادتها في ٢٠٠٥، وتتسع إلى شرائح أغلبها يبحث نفسياً عن مساحة يتفاعل فيها مع الأحوال العامة. ولئن كانت السياسة تتخذ نصيباً عبر المدونين ونشطاء الفايسبوك والتويتر، فإنها مع ظواهر أخرى تتخذ طابعاً رياضياً حيث تكونت روابط مشجعين منظمة بما يشبه تنظيم الأحزاب المغلقة، يجمعها التعصب والولاء المطلق لقميص النادي حيث (الأهلي فوق الجميع) شعار الالتراس، لكنها في ساحة التظاهرة كانت قوة دافعة، ورأس حربة جريئاً في مواجهة قوة غاشمة.
اندماج «الالتراس» الأكبر في مجال الشأن العام أتى مع قضية قتل الشاب السكندري خالد سعيد بعد تعذيبه على يد عناصر من الشرطة. عندها لم يكن المدخل سياسياً، بل من قبيل الدفاع عن «الكرامة» الاجتماعية.
المدخل لم يتغير كثيراً عندما قرر «الالتراس» المشاركة في الإعداد ليوم الغضب عبر مجموعات سمّيت باسم ضحية التعذيب «كلنا خالد سعيد»، لكنه غضب تحرك من مساحته الشعورية إلى مساحة أخرى ترى أن السبب في ضياع الكرامة هو السكوت على فرعون حتى يتفرعن بمزاجه.
وحركة «٦ نيسان» وجدت طريقها بعد الإضراب العام الشهير، حيث أعلنت القوة الافتراضية محاولتها الأولى للنزول إلى الواقع الفعلي، وتحققت بمزيد من الحذر.
من هذه الخبرة، حفرت حركة «٦ نيسان» موقعها، لكنها لم تغادره إلى منطقة أخرى، إلا مع يوم ٢٥ كانون الثاني الذي كان بالنسبة إلى كثيرين «مزحة»، أو«لعبة أطفال جديدة»، لأنه لا يمكن قيام ثورة بموعد سابق، فالثورة تنظيم يخفي مواعيده، وهذا ما تغير، حيث المواعيد تصنع أحداثها، وتكسر رتابة الخطاب السياسي التقليدي وتوازناته، إلى درجة الانفجار.
عنصر الانتقال من الافتراضي إلى الواقعي، بدا فعّالاً إلى درجة تهشمت معها التوازنات التقليدية بين المعارضة التي يسمح لها بالصراخ وإظهار خطاب الضحايا، والنظام المتجبر بكل أسلحته في التدجين والرعب.
حزبا «الغد» و«الجبهة»، كلّ على طريقته كان موجوداً في الدعوة إلى يوم الغضب، على عكس جماعة الإخوان المسلمين. الجماعة الوطنية للتغيير أعدّت للعودة، وإلى جانبها حركات أصغر دارت في فلك محمد البرادعي، لكن تنظيمات سرية مثل «تيار الاشتراكيين الثوريين» و«تيار التجديد الاشتراكي»، أنشط الفصائل الماركسية، نقلا حيويتهما إلى التركيبة السياسية الداعية إلى الحدث.