تونس| عنوان التظاهرات واحد، في شارع الحبيب بورقيبة بوسط العاصمة التونسية. وخارجه لا أثر للاحتجاجات، على الأقل في العاصمة التي تعيش حالاً شبه طبيعية. تتغير الحالة مع الاقتراب من شارع الحبيب بورقيبة، حيث الأسلاك الشائكة والانتشار المكثّف للجيش والقوى الأمنية، وخصوصاً في محيط وزارة الداخلية


، التي كانت حتى الأمس القريب مركز تجمع المتظاهرين المعارضين لنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، لكن مع انهيار النظام انتقلت الاعتصامات والتظاهرات إلى منطقة القصبة القريبة، حيث مقرّ الحكومة.
الشارع بات علامة على الثورة الشعبية التي شهدتها البلاد. لا مكان للسيارات، هو فقط مخصص للمشاة، متظاهرون ومتفرجون على الاحتجاجات. التجمعات تبدأ باكراً. في التاسعة صباحا تبدأ حركة التظاهرات تدب في الشارع، ومركزها المسرح البلدي ودرجاته، التي باتت منطلقاً لكل تظاهرات الاحتجاج في الشارع.
درجات المسرح البلدي هي الخطوة الأولى للتنظيم، حيث يصطف المحتجّون على شكل كورال. تبدأ فعاليات التظاهر بإنشاد قصيدة «إذا الشعب يوماً أراد الحياة»، تليها دقيقة صمت والفاتحة على أرواح الشهداء.حناجر المجتمعين تعلو بنشيد «أوفياء لدماء الشهداء».
مع هذا الهتاف تبدأ مسيرة التجمّع الأول أمام أنظار رجال الشرطة، الذين باتوا يراقبون الوضع بالكثير من الفرح والابتسامات، وحتى المشاركة في الهتاف لكن من دون السير مع المتظاهرين. وضع مشابه للعديد من التونسيين في الشارع العامر بالمقاهي، إذ اختار هؤلاء التضامن الضمني، من دون المشاركة الفعلية. يقفون على جنبات الطريق والابتسامات تعلو وجوههم، رافعين هواتفهم لتصوير مشاهد الغضب التي يعبّر عنها المشاركون في المسيرة.
المسيرة الأولى كانت لطلاب إحدى المدارس الثانوية. لا إطار حزبياً أو نقابياً يقرر حركتهم، هم قرّروا الخروج إلى الشارع حتى «لا تسرق منا الثورة»، هذا ما تؤكّده شمس عابدي، إحدى منظمات التجمع. هذه الصبية التي لا يتجاوز عمرها الثامنة عشرة ربيعاً قادرة على التعبير عن نفسها وأفكارها السياسية بسلاسة. كان واضحاً أنها باتت معتادة الحديث إلى وسائل الإعلام، وتعرف تحديداً ما تقول للرد على أيّ سؤال. فهي غير خائفة من نموذج مشابه لما حدث في العراق عند اجتثاث حزب «البعث»، وهو ما حذّر منه العديد من السياسيين والمحللين في تونس وخارجها. هي لا ترى وجهاً للتشابه، بل تشير إلى أن الوضع في تونس مختلف تماماً، على اعتبار أنّ في البلاد قادة وأحزاباً قادرين على إدارة الدفة في مرحلة انتقالية، تسميها «مرحلة تأسيسية» لنظام جديد، تريده وزملاءها برلمانياً لا جمهورياً، وهي لا ترى أن هذه الحكومة قادرة على ذلك باعتبارها «من بقايا الديكتاتور».
هذه الرغبة تعبّر عن نفسها في الهتافات التي ترددها حناجر المتظاهرين. «يا شعب ثور ثور على بقايا الديكتاتور»، عبارة تتردد على الألسنة، لتتناغم مع الشعار العام، الذي بات سمة كل الاحتجاجات، وحتى انتقل إلى بلدان أخرى، وهو «الشعب يريد إسقاط الحكومة». وبين هذا وذاك تعلو هتافات لتؤكد أنّ الثورة لم تنته بعد، ولم تحقق منجزاتها حتى مع رحيل «بن علي والطرابلسيّة»: «الحكومة مسرحيّة والقضيّة هي هي»، «يا شهيد ارتاح ارتاح سنواصل الكفاح»، و«يا غنوشي صبرك صبرك الشعب يحفر قبرك».
على وقع هذه الهتافات تسير التظاهرة إلى مقر الحكومة، الذي يبعد نحو نصف ساعة سيراً على الأقدام، لتنضم إلى المعتصمين هناك. لكن شارع الحبيب بورقيبة لا يخلو، المشهد نفسه يتكرّر مع مجموعة أخرى من مئات المتظاهرين الآخرين، الذين يحضرون أيضاً للضغط من أجل تنفيذ طلباتهم. هذه المرة دور العمال، الذين امتاز تحركهم برفع المعاول ومشاركة الجرّارات. توجههم الأولي إلى مقر الاتحاد العام للشغل في تونس، الواقع في شارع متفرع من الحبيب بورقيبة. هناك يقابلهم النقابيون من على الشرفات بخطابات رنانة، تؤكد على استمرارية الثورة، حتى حلّ «التجمع الدستوري الديموقراطي» الحاكم سابقاً في تونس.
وعلى هذا المنوال يتوالى السائرون في شارع الحبيب بورقيبة، الذي تبدو مقاهيه مزدهرة في ظل هذا الكم من التظاهرات التي تمر فيه يوميّاً، إذ باتت هذه المقاهي محطة استراحة يومية للمحتجين قبل إتمام المسيرات باتجاه مقر الحكومة.
المقاهي ساحة أخرى للنقاش. نقاش كان محوره التغيير الحكومي المرتقب. الحديث عن هذا التغيير دخل يومه الثالث، ومع التأجيل أمس، من المرتقب أن يمتد لمدة أطول. هذا التأجيل لا يرضي الناشطين السياسيين المتجمعين في أحد المقاهي، ومنهم المحامي الصحبي البصلي، الذي يرى أن التأجيل هو نتيجة تجاذبات ومفاوضات تعني المساومة على مكاسب الثورة. ويخشى من أن تؤدي الأحزاب إلى تضييع ما حققه الشعب، على اعتبار أن الوقت ليس للتفاوض.
كلام يصدّق عليه الجالسون إلى البصلي وهم يتابعون مسيرة أخرى تمر من أمام المقهى باتجاه الحكومة. فالشارع حتى ساعات المساء لا يخلو من حركة الاحتجاجات والهتافات ضد «بقايا الديكتاتور».