سرقت بقع كثيرة من تلك الأرض. نهشها جنود كثر وفرضت عليها تحوّلات وتبدلات واتفاقيات سياسية قاسية، من الاحتلال العثماني والانتداب الإنكليزي، وأخيراً الاحتلال الإسرائيلي. لكن في فلسطين، كانت هناك حياة أخرى جميلة وبسيطة، وبعيدة عن مصطلحات «الاحتلال»، و«النكبات» و«النكسات». وربما لن يعرف الفلسطينيون الصور القديمة لتلك الأحياء، والأبنية، والناس، والأزقّة، والأشجار الكثيفة، وإن كانت بعض العمارات الرمزية لا تزال كما كانت في الماضي. هذا الشرخ الهائل بين الماضي والحاضر تجمعه الصور في «من الأرض المقدّسة إلى فلسطين» (مؤسسة الدراسات الفلسطينية).


في عيدها الخمسين، أصدرت «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» كتاباً توثيقياً لفلسطين. في هذا العمل، نحن أمام جهد من نوع آخر، يتمثّل في جمع وجهين لفلسطين، ورصد تحوّل هذه الأرض بين زمنين متباعدين على جميع الأصعدة. في الصور القديمة التي التقطها فيليكس بونفيس (1831 _ 1885) خلال القرن التاسع عشر، أرّخ المصوّر الفرنسي بصرياً تلك الأرض، بكامل مظاهرها المعيشية، وعمرانها الحجري المميز، وأحيائها وأزقتها، وتربتها، وناسها، ولباسهم التقليدي. وبعد حوالى قرن ونصف، سيعيد الفوتوغرافي سيرج نيغري التقاط الصور للأماكن ذاتها التي صوّرها زميله الفرنسي آنذاك. تتبّع نيغري خطى بونفيس بدقّة، وبحث عن الأمكنة ذاتها في الصور القديمة قبل أن يركّبها مع شكلها الحالي، لتبدو مكمّلة بعضها لبعض. إلا أن شرخاً كبيراً يفرض نفسه على الصورة التي تضم لقطة بالأسود والأبيض، وأخرى ملوّنة. وإن كان التغيير الهائل الذي تحدّث عنه الراحل ستيفان هيسيل في مقدّمة الكتاب أوشك على محو فلسطين القديمة، إلا أنّ هناك بعض المعالم البصرية الظاهرة والعادات التي استطاعت أن تجتاز هذه السنوات القاسية محافظة على نفسها.
في صورة قديمة، يدخن الرجال النرجيلة في مقهى بالقرب من بوابة يافا. استطاع نيغري التقاط صورة لبعض الرجال اليوم يلبسون ربطات عنق وجينز لكنّهم يدخنون النرجيلة في المكان ذاته. المفارقة أنّه حتى لو بقي هذا المقهى مثلاً، إلا أنّ أناسه بدوا كسيّاح في بلدهم اليوم. سنرى أيضاً أناساً وسيّاحاً يقفون داخل «كنيسة القيامة» أمام خلفية لحائطها القديم الذي استعاره نيغري من صورة فيليكس بونفيس. لا يكتفي نيغري بتركيب مضبوط للصور، بل يلجأ إلى الكولاج. تتسلل بعض الملامح القديمة من داخل جدار الفصل العنصري، وفي لقطة أخرى ينظر أشخاص إلى الأبنية الاسمنتية وهي تبتلع الأشجار في سهل في غزة، وهنا بالطبع لا تغيب ملامح الاحتلال الإسرائيلي.
غطّت صور الكتاب معظم المناطق والمدن الفلسطينية التي نكتفي بقراءة أسمائها على الخريطة، أحياء القدس العتيقة حاضرة بالطبع، والجنوب الفلسطيني، ويافا، وتلال نابلس، وجنين... ترافقها نصوص تفصيلية عن الصور، وأخرى بقلم كتاب معروفين أمثال محمود درويش، وإدوارد سعيد وفدوى طوقان وآخرين ممن قدموا إلى فلسطين مثل غوستاف فلوبير ولامارتين وغيرهما.