جمع رئيف خوري (1913 ــ 1967) بين النضال السياسي والفكر التنويري والكتابة النقدية. الكتابة نفسها كانت جزءاً من النضال والتنوير اللذين كانا سبباً للكتابة، وكانت الكتابة وسيلةً له. لم تكن ممارسة تعبيرية وأدبية صافية أو سابقة للأفكار والقضايا التي دافع عنها.

ليس المقصود هنا أن تكون الكتابة فناً مستقلاً أو ترفاً أدبياً، لكنها تفقد شيئاً من الفن والاستقلالية و«الترف» حين تكون وعاءً لموضوعاتها، ولا يختلف ذلك كثيراً إذا كانت هذه الموضوعات سياسية ونضالية أم كانت رومانسيات. ولذلك يصعب أخذ تجربته إلى زمن أحدث، وقراءته بمعايير أحدث أيضاً. كان خوري مشغولاً بالتغيير الاجتماعي والسياسي وإيقاظ الوعي الوطني والقومي.
قاده ذلك إلى المشاركة الحقيقية في تحقيق هذه الطموحات، فشارك في ثورة 1936 في فلسطين، ونشر في السنة ذاتها كتابه «جهاد فلسطين» بتوقيع «الفتى العربي». كان ركناً أساسياً في «عصبة مكافحة النازية والفاشستية»، وأصدر جريدة «الدفاع» في دمشق لتكون لسان حال العصبة لفترة قصيرة، ثم أسس مع أنطون تابت وعمر فاخوري مجلة «الطريق» (1941)، وواصل فيها ما كان ينشره من مقالات في السياسة والنقد الأدبي والتراث والفلسفة.

ولعل عمله الأساسي أستاذاً للغة العربية، وتنقّله بين مناطق عدة في لبنان وسوريا وفلسطين، ساهما في ترسيخ علاقته مع أحوال الناس والواقع في تلك الحقبة التي شهدت حرباً عالمية ثانية، وانتداباً استعمارياً، ونكبةً فلسطينية، واستقلالات وطنية، وصراعات سياسية وحزبية وفكرية. رئيف خوري هو ابن تلك الحقبة التي ضاعت فيها فلسطين وكان شاهداً على النكسة قبل عام من رحيله عام 1968. كان مثالاً ساطعاً على مزج القول بالفعل، والكلمة المكتوبة بالكفاح على الأرض. مزيجٌ تسرّب إلى أغلب كتاباته سواء كانت سياسية أو فكرية أو تراثية. تعدُّدُ الاهتمامات والأجناس الكتابية كان يجد وحدةً ما في حماسة صاحب «معالم الوعي القومي»، وفي ضبطه لهذا التعدّد في سياقٍ تنويري ونهضوي وماركسي، مما يجعل قوة نتاجه موجودة في مجموع هذا النتاج وليس في كل كتاب منها على حدة. كأن خوري هو حزمة من الأفكار التنويرية والممارسات النضالية، أو كأنه مختزلٌ في اسمه وزمنه وزمن أفكاره أيضاً. يليق بصاحب «الفكر العربي الحديث» (1943) أن نقول إنه كان موسوعياً في ثقافته وكتاباته، أنزل تلك الكتابات إلى الجماهير والناس، وقف على المنابر يخطب فيها بالأفكار والقناعات ذاتها، وكان لبنانياً وسورياً وفلسطينياً، وواحداً من «رجالات» تلك الحقبة حين كانت هذه الصفة تُقال عن أمثاله فقط ممن نذروا أنفسهم لقضايا شعوبهم ومجتمعاتهم. المناضل الطليعي الذي ولد في نابيه، وتخرّج في الجامعة الأميركية في بيروت (1932)، عمل مدرّساً في طرطوس والقدس، وأصدر باكورته «امرؤ القيس، نقد وتحليل» (1934). الأدب والتراث ظلا حاضرين في مؤلفاته التي وصلت إلى العشرين، لكن سيرته الكفاحية ومواقفه الفكرية طغت على اختصاصه الأدبي، بل دفعته إلى تحليلات غير دقيقة أحياناً كما في مقارنته لمرثية مالك ابن الريب الشهيرة مع قصيدة للشاعر الروسي الكسندر تفاردوفسكي عن موت جندي سوفياتي، منحازاً إلى معاني المقاومة والنضال لدى الثاني، ومنتقداً «فردية» ابن الريب وآلامه الشخصية. مثالٌ يمكنه أن يدلنا إلى مواقف أخرى من النوع نفسه، لكنها تفاصيل صغيرة في مسيرة غلب عليها النضال الفكري والثوري، حيث كان النقد الأدبي عنده «لحظةً من لحظات التنوير الشامل» بحسب تعبير الناقد فيصل دراج.
هكذا، تبدو أبحاثه التراثية والأدبية، عن ابن المقفع وعمر بن أبي ربيعة مثلاً، مصابةً بعدوى فكرة مسؤولية الأدب والكلمة في معركة الواقع والانحياز الطبقي. الفكرة التي راجت نقدياً تحت اسم «البطل الإيجابي»، ودارت في سبيلها معارك ثقافية لا تزال ممكنة حتى اليوم. هل الأدب مسألة فنية أم مسؤولية اجتماعية وثقافية؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي ظلت نتاجات رئيف خوري محكومة به. لم يُخفِ المتنور الكبير انحيازاته وقناعاته. كان صادقاً وشجاعاً مع أفكاره إلى درجة أنه عوقب من قبل الحزب الشيوعي اللبناني (رغم أنه لم يكن عضواً رسمياً فيه)، ومُنع من الكتابة في مجلته «الطريق»، وتم التشهير به على صفحاتها لأنه وقف ضد قرار تقسيم فلسطين الذي وافق عليه الاتحاد السوفياتي في مجلس الأمن وقتذاك. موقفٌ من مواقف عدة يمكن وضعها اليوم ــ وهنا برسم مثقفي المقاولات في منابر زمننا الراهن.

في مئوية رئيف خوري، يقيم «المجلس الثقافي الجنوبي» و«الحركة الثقافية ـ انطلياس» مؤتمراً من العاشرة حتى السادسة من مساء اليوم في «قصر الأونيسكو» بمشاركة: حبيب صادق، انطوان سيف، يمنى العيد، فيصل دراج، ربيعة أبي فاضل، سماح ادريس، نصري الصايغ، عصام خليفة، ملكة رئيف خوري...