«كيف نمارس الحب مع زنجي من دون أن نتعب» عنوان «قنبلة» اختاره داني لافريير (1953) لكتابه الأول الذي نشره عام 1985، فأخرجه من بؤسه، ومن وضعه كزنجي مهاجر من دون أوراق ثبوتية. أكسبه الكتاب شهرة فورية في مونتريال وكان جوازه إلى العالم بأسره. في باكورته تلك، انتقد داني لافريير الصور النمطية والكليشيهات المعادية للأجانب. كذلك، تطرق إلى التمييز الاجتماعي العنصري بالكثير من الفكاهة والخيال.


مزج الأجساد، البيضاء والسوداء من مختلف الأعراق أو الديانات أو الطبقات الاجتماعية، ووضعها «عارية في سرير». كاتب زاوية الثقافة في مجلة Le Petit Samedi Soir الأسبوعية و«راديو هايتي انتر» هرب عام 1976 من وطنه هايتي عقب اغتيال صديقه الصحافي غاسنر ريمون.
وصل داني لافريير إلى مونتريال معدَماً، من دون مال، ولا عائلة، ما اضطره إلى الكدّ في العمل. قام بأعمال التنظيف، ومارس أعمالاً مؤقتة من منتصف الليل حتى الثامنة صباحاً. وفي أحد الأيام، قرّر كتابة رواية للخروج من وضعه المزري. كتب الحقيقة عن حياته، عن لياليه المضنية بمهارة وروح دعابة، مجيداً السيطرة على غضبه ليسهل على الجميع فهم أعماله. من خلال شخصيته التي تمارس الحبّ مع عدد كبير من النساء اللواتي ينتمين إلى البورجوازية البيضاء في مونتريال، عرض نظريات فلسفية عن معنى حياته. هذه الحياة التي كانت قاسيةً بالنسبة إلى نجل رجل سياسي، عمدة «بور ـ أو ـ برنس» الذي تمرّد على ديكتاتورية فرانسوا دوفالييه. في عمر الأربع سنوات، عمدت والدته إلى إبعاده بغية حمايته، خوفاً من أعمال انتقامية ضد أفكار والده، فأرسلته إلى جدّته التي ربّته ثم سكنت لاحقاً معظم قصصه.
لا ينسى داني لافريير وطنه. أثناء عودته إليه، دوّن على دفتر واقع الحياة في هايتي، فقد سئم التقارير والشهادات الصحافية التي كانت تنقل واقعاً ليس حقيقياً تماماً. مثّلت هذه الملاحظات مسودة كتاب «لغز العودة» (جائزة «ميديسيس» لعام 2009). عمل آخر أساسي في مسيرته. هنا، أطلق تأملاته في المنفى وفي تناقضات عدة، وأضفى بعداً سياسياً على العمل لأنّه جاء «بلا خطاب سياسي، بلا جسد وبلا حكومة سياسية».
لا ينسى لافريير وطنه، لكنه يرفض أن يبقى سجيناً داخل جدران مكان ولادته. يعرّف عن نفسه منذ زمن بعيد على أنّه «كاتب» يتخطى الحدود والانتماءات على أساس الهوية. لا يشعر بأنّه مهاجر إلا أمام «ضابط الهجرة»، لا يستطيع التفكير إلا أثناء رحلاته ذهاباً وإياباً إلى مسقط رأسه في أنّ «كل إنسان طبيعي هو غريب حتى داخل عائلته»، وأنّ السفر والعودة يمثّلان «تحركاً يقوم به الناس باستمرار أثناء حياتهم»، وأنّ من لا يفعلون ذلك هم أشخاص محدودون، يخشون الغريب وكل ما هو جديد.
وفي كتابه الجديد «يوميات صحافي بالبيجاما» (غراسيه) الذي سيوقّعه ضمن «معرض الكتاب الفرنكوفوني في بيروت»، يستذكر داني لافريير مسيرته الأدبية الغنية من خلال ملاحظات شبه تربوية يقرر مشاركتها مع القارئ. يكتب لافريير: «كل حكاية هي بالضرورة سيرة ذاتية حتى عندما تبدو القصة بعيدة عن حياتنا الشخصية (...) الذاكرة أشبه بمصرف حيث نقوم بعمليات اقتراض وإيداع بشكل مستمرّ». يستمد لافريير الإلهام من الواقع، لكنه لا يكتب الحقيقة بل الخيال؛ «فالكتابة تتيح الفرصة لتجاوز الإطار المعتاد»، وخصوصاً مواجهة الآخر أو حتى الذات من خلال ما يمكن أن نخشاه في نظرة الأم مثلاً. لافريير مقرّب جداً من أمّه، فقد أرسل إليها كتابه الاستفزازي الأول بعد تردد كبير لأنه كشف لها فيه عمّا أخفاه عنها. هل للكتابة معنى إن لم يقرأها أحد؟ أو بالأحرى إن لم يقرأها الجميع؟
ندوة «بين قلقين: البقاء أم الرحيل» مع كيتي مارس وداني لافريير، إدارة ريتا باسيل: 18:00 مساء 8ت2 (نوفمبر) ــ SALLE B