لا شيء «اسمه زراعات بديلة يمكن أن يعطي إنتاجية ومردوداً يعادل مردود الزراعات الممنوعة»، هذا ما يجزم به معين حمزة، الامين العام للمجلس الوطني للبحوث العلمية. وأكثر من ذلك، البديل تعبير «غير واقعي»، وهو الذي لم يثبت جدواه أصلاً.

لا بديل عن الحشيشة. هذا أمر واقع. لكن ذلك لا يعني أنها نبتة أبدية في سهول البقاع تحديداً، وإن كان وجودها هناك عبر التاريخ البعيد يوحي بذلك. فثمة قرار لا حياد عنه، هو أن «لا تشريع». ومعين حمزة واحد من المقتنعين بهذا القرار، الذي لا يزال بلا أفق. وهناك سبب واحد لتلك القناعة النابعة من أن التشريع لا يخدم المزارع ولا المجتمع. فماذا لو شرعوها؟ يعني مثلاً أن «سعرها لا يعود مغرياً لأنها لم تعد ممنوعة». هذا أولاً أما ثانياً، فيتعلق بضآلة استخداماتها «والمكان الوحيد الذي تستخدم فيه النبتة هو في إنتاج بعض الأدوية المخدرة لمعالجة الأمراض العصبية». لكن الخبر الأهم أن تلك الصناعة لا تحتاج لهذا الكم من السهول والشركات التي تصنع الأدوية «تفضل زراعة النبتة في مختبرات خاصة بها وبمواصفاتها».

طبعا لا يريد المعترضون على التشريع ان يفكّروا بتشريع تعاطيها ابدا. وبرأيهم لا طائل من التشريع اذا تم حصره بالتصنيع السلعي للادوية او الحبال او الاقمشة او الاعلاف. هذا ما يعتقده الكثيرون. ولكن، ماذا يمكن أن يكون البديل؟ بالنسبة لحمزة الجواب واضح «المياه ثم المياه ثم المياه». لا خيار آخر. هناك في المنطقة التي يعتمد جل أهلها على الزراعة، لا حل آخر إلا المياه التي من الواجب أن «تترافق مع أنواع نباتية مؤاتية تسمح للناس بزراعة موسمين بدل موسم واحد». مع ذلك هذه الوفرة قد لا تعوض، إنما «تحقق المردود المستقر الذي يطمح له المزارعون». ولنقل أكثر: في البقاع ــ شمال البقاع الأوسط والبقاع الشمالي تحديداً ــ يوجد «80% من الاراضي المستعملة للزراعات الممنوعة وهي بعلية، فإذا تأمنت المياه لتلك الأراضي ستتغير تقاليد الناس». الناس هناك ليسوا هواة زراعات ممنوعة. الناس هناك «تريد العيش بأي ثمن كان».
لكن، مهلاً، هل تجري الأمور بتلك البساطة؟ أين دور الدولة من كل ذلك؟ أليست هي المسؤولة عن تأمين تلك المياه التي لا يفتقر لها البقاع وحده فقط؟
ثمة جواب واضح: الدولة ليست عاجزة. الدولة «غير صادقة»، يقول وزير الزراعة حسين الحاج حسن. ففي الواقع «المشكلة ليست مشكلة زراعات ممنوعة، إنما هي مشكلة قرار سياسي وقرار تنمية مستدامة». وفي أزمة الممنوعات «لا شيء اسمه بديل، انما هناك سياسة بديلة». وعلى أساس تلك السياسة، يفترض بالدولة «إيلاء القطاع الزراعي الأهمية القصوى، وبما أن كلفة الزراعة هنا عالية جداً، فيجب أن يتوفر الدعم أو الحماية حتى تتمكن من المنافسة». ولكن، ما يجري اليوم أن الدولة لا تفعل شيئاً. لا تحمي ولا تدعم. والأمثلة كثيرة. فلنعد مثلاً إلى موازنة وزارة الزراعة التي انخفضت هذا العام من 103 مليارات ليرة لبنانية إلى 88 ملياراً. ولنسمّ بعض البرامج «التي يفترض أنها أولويات في دول أخرى»، منها مثلاً «برنامج الري لبعلبك الهرمل الذي أخذ القرار بتمويله بعشرة مليارات ليرة سنوياً من دون تحصيل أي قرش، وبرنامج صندوق الكوارث الذي لم يطرح على جدول الأعمال منذ أربع سنوات، وبرنامج دعم الصادرات الذي انخفض من 50 ملياراً إلى 40، وبرنامج زراعة الأعلاف وتربية الأبقار الحلوب التي سحبت منه 17 ملياراً ليرة في العام الحالي». هذه نماذج حصلت، ويمكن أن تعوض فيما لو بت أمرها. لكن، من يبت؟ فهل تعرف الدولة مثلاً بأن الاتحاد الأوروبي يدعم الزراعة يومياً بمبلغ مليار يورو؟
يقال بأن النية موجودة. على الاقل في موضوع معالجة الزراعات الممنوعة. ويمكن العودة إلى العام 2004، عندما ألفت الحكومة اللجنة الوطنية للتنمية المتكاملة في محافظة بعلبك ــ الهرمل، والمفترض أن تضع الدراسات وتحدد الأولويات في موضوع معالجة مشكلة الزراعات الممنوعة في البقاع واقتراح زراعات بديلة. يومها، خرج أعضاء اللجنة بتقريرهم الذي يؤكد استحالة إيجاد زراعات بديلة، «ما لم تقم الدولة بدورها في التنمية». لكن ذلك لم يلغ طرح بعض الحلول ومنها اقتراح زراعة الأشجار المثمرة و«نبتة القنب الصناعي التي تحتوي على نسب مخدرة ضئيلة جداً». بعد الدراسة، بدأت التجارب على نبتة القنب الصناعي. زرعت في جرود عكار وفي البقاع الأوسط والهرمل والبقاع الغربي ومرجعيون. وبعد ثلاث سنوات من التجارب، نجح البقاع الأوسط في الاختبار بشكل كلي «إذ نجحت الزراعة هناك 100% كونها تتلاءم مع مناخ المنطقة ويمكن أن تعطي محصولاً جيداً»، يقول الدكتور محمد فران، الأستاذ في الجامعة الأميركية والمكلف بإجراء التجارب. هذه النبتة، هي «بنت عم نبتة القنب الصناعي»، ولكن في استخداماتها تتفوق على «ابنة عمها». فهنا، لا شيء يرمى منها عند التصنيع، إذ تستخدم أليافها في صناعة الملبوسات والحبال والخيوط والأنسجة والعوازل الطبيعية للبيوت والسيارات، وما يتبقى منها بعد التصنيع يستخدم «فرشة للخيول تمتص الرطوبة»، يقول فران. أما بذر القنب (القنبذ) فغني بالزيوت، وخصوصاً «أوميغا 3». هذه البذور التي يمكن عصرها بعد استخراج الزيوت «لنأخذ منها ما يمكن الاستفادة منه في صناعة مواد التجميل». وما يتبقى بعد العصر «يمكن استخدامه علفاً للدواجن».
لكن، رغم نجاح تلك التجربة إلا أن تطبيقها على الأرض دونه عوائق. فهذه الأخيرة لا تنتهي بالزراعة فقط، إذ تتطلب معامل لاستخراج أليافها، كما أنها تحتاج لاستعمال المكننة الزراعية نظراً للمساحات الواسعة المزروعة بها. أما «الأعوص» من كل ذلك، فهو أنها «لا يمكن أن تجلب السعر نفسه الذي تجلبه الحشيشة». وهنا تقع الكارثة «المدوبلة»: كارثة الدولة التي لا تستطيع تأمين كل هذا، وقد أثبتت عدم قدرتها في المسيرة الطويلة سابقاً، وكارثة إقناع الناس بغير زراعة الحشيشة. فمن يقنع المزارع؟ هي النبتة الوحيدة التي لا تتأثر بعوامل الطقس ولا تجتاحها الأمراض ولا تحتاج للمياه. وأكثر من ذلك، هي الوحيدة التي تأتي أرباحها دفعة واحدة. فما العمل أيتها الدولة؟