في اليوم الثاني من الاشتباكات بين الجيش اللبناني ومسلحي أحمد الأسير في صيدا (جنوب لبنان)، جنّدت القنوات المحلية نفسها منذ ساعات الصباح الأولى لنقل المشهد من داخل عاصمة الجنوب. القنوات التي نأت بنفسها أو غيّبت نفسها عن الحدث في اليوم الأول، عادت أمس إلى نشاطها ونزلت بثقلها إلى الميدان مع مراسليها المنتشرين في مختلف المناطق. وفيما فتحت الاستوديوات أبوابها لاستقبال المحللين، استساغت بعض الشاشات فكرة فتح الهواء لتعليقات المشاهدين وإيصال أصواتهم ومعاناتهم كما فعلت «الجديد» ثم otv.

التغطية الحيّة هذه المرة كانت أشد خطورة. تقدّم المراسلون إلى تخوم «المربع الأمني» لأحمد الأسير بعد تطهيرها من قبل الجيش. توالت الصور الحيّة من هناك على وقع أعمال القنص التي استهدفت عناصر الجيش وهددت أرواح الصحافيين. فيما تناقلت «المستقبل» دعوات الأسير عبر تويتر مقحمة اسم «حزب الله» في المعركة، مدعية اعتمادها على شهود عيان ينقلون مشاهداتهم لـ«الظهور المسلح لعناصر من الحزب» في صيدا، بثت أخباراً عاجلة عن محاولة اقتحام المسجد من قبل عناصر الجيش. في المقابل، برزت القناة البرتقالية كداعم للجيش اللبناني. اتشح اللوغو الخاص بها بالسواد وراحت صور الشهداء تنشر على صفحاتها الافتراضية، وكانت سباقة في عرض صور لـ«مسلحين قتلى تابعين للأسير من التابعية السورية».

لكن حماسة الـotv أسقطتها بنحو مدوٍّ عندما بثت صوراً قالت إنّها من داخل «مسجد بلال بن رباح»، اتضح لاحقاً أنّها من تفجير انتحاري في العراق منتصف الشهر الجاري. كذلك، لم تصب المحطة عندما وقف مراسلها إدمون ساسين في صيدا وبدأت الكاميرا تصوّر عملية إلقاء الجيش القبض على أحد المسلحين، على خلاف «المنار» التي التزمت تعليمات المؤسسة العسكرية وثبتت كاميراتها باتجاه المراسل حصراً، وسبق أن عرضت صوراً لمبانٍ محترقة في عبرا تظهر الأماكن التي كان مناصرو الأسير يقنصون منها، إضافة إلى مواكبتها لإجلاء المدنيين العالقين في هذه المنطقة بمساعدة الجيش. «المنار» لم تكن الوحيدة في مواكبتها للجيش أثناء تمشيط منطقة المسجد، بل انضمت إليها lbci؛ إذ كانت مراسلتها ندى أندراوس في وسط الاشتباكات على مقربة من زميلها في قناة المقاومة عبّاس فنيش.
وبينما كانت الاشتباكات دائرة في صيدا، اتجهت الأنظار إلى طرابلس التي توترت مجدداً تضامناً مع الأسير. mtv كانت أوّل المواكبين للحدث، ونقلت صور قاطعي الطرق وتصريحاتهم النارية، لتعود القنوات الأخرى وتنقل ما يحدث في هذه المدينة التي هدد مسلحوها بالتوجه لمناصرة الأسير إن لم يتوقف الجيش عن القصف.
أمس، بدا المشهد مسؤولاً في التعاطي الإعلامي مع أحداث صيدا التي جاءت بحجم التضحيات الجسام التي قدّمتها المؤسسة العسكرية. توزعت الأغنيات الوطنية على الشاشات المحلية وعدّلت البرمجة لمصلحة مواكبة الأحداث المتنقلة من الشمال إلى الجنوب، وصولاً إلى العاصمة. ويبقى توظيف هذه التغطية في الاتجاه السياسي الملائم لكل قناة، لكن ليس إلى حد تبرئة القتلى وفبركة أطراف غير موجودة.