منذ عهد الدولة الفاطمية (969 - 1171م) لم تعرف مصر مسألة شيعية، ولم يبرز الشيعة كموضوع للسجال الحاد إلا بعد الثورة، التي في ما يبدو كشفت عن خلل كبير يعتري مراكز الإدراك في العقلية المصرية. ومرة أخرى عاد النداء لعودة صلاح الدين، لا لتحرير القدس كما اعتاد أن يراه المصريون، بل لتطهير مصر من «الشيعة الحثالة»، أو هكذا اشارت إليهم جموع السلفيين المتظاهرين أمام منزل القائم بالأعمال الإيراني مجتبى أماني، في الأيام الماضية، التي اتهمت الرئيس محمد مرسي الملتحي حافظ القرآن بالسماح لهم بدخول مصر.


ورغم وجود الأزهر على أرضها، الذي يُعدّ أكبر جامعة سنية في العالم الإسلامي، مع أن تأسيسه كان شيعياً منذ ألف عام، إلا أن المصريين لم يعرفوا أنفسهم على أنهم مسلمون سنة، ولم يكن لهم تصور العوام عن الشيعة في العراق وإيران وغيرهما، غير أنهم مسلمون على مذهب مختلف.
وربما شاب هذه التصورات خرافات شعبية ناتجة بالضرورة من الجهل بهذا الآخر الذي لم يكن يشكل أزمة هوية في بلد متجانس. لم يكن من المستغرب زواج مسلم سني مسلمة شيعية أو بالعكس. ولا يعرف كثير من المصريين مثلاً أن السيدة تحية كاظم زوجة الزعيم جمال عبد الناصر ابنة تاجر إيراني، ولم يكن ليدهشهم هذا. ولا ينبئنا إعلام الثلاثينيات بجدل مذهبي، عندما تزوج الشاهبور محمد رضا بهلوي ولي عهد إيران الأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق. لم يكن للأزهر نصيب من الجدل المذهبي الإسلامي إلا سعيه للتوحيد والتقريب بين المذاهب، فأنشئت تحت رعايته دار للتقريب المذهبي عام 1947. وفي الستينيات، أصدر شيخ الأزهر المؤسس لدار التقريب سابقاً، الشيخ محمود شلتوت، فتواه الشهيرة بجواز التعبد على المذهب الجعفري.
لم تكن الدولة لتتبنى خطاباً مذهبياً وهي تُعبّر عن مجتمع غير متمذهب، لكن السياسة منذ هذه المرحلة وصاعداً أدت دورها في تشكل الرؤى الدينية للمجتمع. دخل عبد الناصر في صراع إقليمي مع شاه إيران، لكنه لم يستخدم الأزهر في هذا الصراع ولم يتصوره صراعاً مذهبياً بين شيعة وسنة.
وأشعل نجاح الثورة الإيرانية 1979 مشاعر الحماسة داخل المعارضات اليسارية والإسلامية في كل العالم العربي، رغم أن نظام السادات وقف ضدها واستضاف صديقه الشاه المخلوع لتبدأ القطيعة السياسية بين مصر وإيران.
وكان إغلاق جمعية آل البيت في مصر في العام نفسه إيذاناً بدخول المذهبية برأسها في الصراع، بينما رسخ الانغلاق الشيعي الذي بدأ يطغى على النظام الثيوقراطي الحاكم بولاية الفقيه، بحيث صار التشيع رديفاً لإيران، وبالتالي أثار حساسية أجهزة الأمن، وخاصة مع اشتراك مصر في الحرب العراقية الإيرانية إلى جانب بغداد.
ومن هنا جرى التضييق الأمني على كل أشكال التجمعات الشيعية في مصر، رغم وجودها على هامش المجتمع الذي ظل بعيداً عن هذا الصراع. مع أن الدولة سمحت للسلفية بالتغلغل فيه والعمل، وهو ما راكم تحولات ظهرت في بوادر تمذهب وتوترات طائفية بين المسلمين والأقباط.
تدور السلفية حول النقاء العقدي، وهو ما يتطلب الولاء والبراء من المخالفين في سبيل تنقية عقيدة زمرة المؤمنين. وكان عمل السلفية في المجتمع لترسيخ هذا الاتجاه الذي يستدعي رفض الآخر المنحرف، سواء من داخل الدين، أو الخارج عنه، فلا يصح الدين إلا بالتأثيم والتكفير. وعلى الرغم أن المسألة الشيعية لم تكن حاضرة بقوة في الخطاب السلفي، غير أنها لم تكن مستبعدة. وفيما كان المصريون في عام 2006 متحمسين للانتصار الذي حققه حزب الله على الجيش الإسرائيلي في حرب تموز 2006 يوماً، كرّس شيوخ السلفية جهودهم لحماية سنّة مصر من الافتتان بانتصار «الشيعة المنحرفين»، فظهرت تسجيلات ترفض الانتصار، ومحاضرات تحذر من المدّ الشيعي، وهو ما تزامن مع خطاب السلطة المتورطة في حرب التوازنات الاستراتيجية في مواجهة إيران وحلفائها بالتحالف مع دول الخليج راعية «التسلّف» في العالم العربي.
بعد الثورة، دخلت السلفية ميدان السياسة من المنطلق العقدي نفسه، بعد أن بنت لعقود وجوداً قوياً داخل المجتمع، وأسهمت مع بقية التيارات السياسية في نقل الصراع السياسي إلى ساحة «سياسات الهوية»، ونقلت التدافع السياسي من أهداف الثورة السياسية والاجتماعية الديموقراطية إلى ساحة الحفاظ على الهوية، ومناط شرعية وجودها.
غير انها خلال العامين اللذين تلا الثورة استطاعت أن تطور أجهزة سياسية تتسم بقدر كبير من التكيف والبراغماتية والبعد عن الأصولية الخطابية التي تركتها لحشد الجموع الغفيرة في المعارك السياسية مع الحلفاء وضد الخصوم من الجميع.
من هنا كان تصدّر السلفيين لمشهد رفض الوجود الشيعي في مصر أو التقارب مع إيران، وتصدى أكثر قيادات الحركة السلفية براغماتية لمواجهة المد الإيراني على أساس عقدي، فبرزت السجالات المذهبية التي تدور حول سبّ الصحابة وزوجات النبي، ونشر المذهب الشيعي داخل مصر.
كان قرار التقارب مع إيران قد جاء من النظام الذي أصبح الإخوان المسلمون يسيطرون عليه؛ يعرف عن جماعة الإخوان أنها لم تكن متمذهبة بحكم طبيعتها الشمولية وتعبيرها عن خصائص المجتمع المصري الدينية. غير أنها وجدت نفسها في صراع على اقتسام كعكة المجتمع مع السلفيين منذ السبعينيات فبدأت في التسلف هي الآخرى. وكانت حساسية الصراع المذهبي مع الشيعة إحدى دعاوى ابتعادها عن النظام الإيراني الذي تقاربت معه فور انتصار الثورة الإيرانية.
ولم يكن الخطاب الناضح بالمذهبية الذي ألقاه الرئيس مرسي في طهران الخريف الماضي إلا مزايدة على السلفيين ومغازلة لحسّ التمذهب النامي في المجتمع. وبالتالي ليست موجة التحريض الأخيرة على الشيعة وإيران في مصر بعيدة عن هذا التنافس الذي لم يصل إلى حد التصارع بعد بين الإخوان والسلفيين.
وفيما تدير السلطة الإخوانية صراعاً مع الأقباط، يتصدى السلفيون للحفاظ على الهوية السنية المدّعاة لمصر بالتحريض على الشيعة.
الجديد والمنبئ بالخطر في المشهد، أن الأزهر قد أصيب بعدوى الطائفية. فمع زيارة الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد، للقاهرة ومقابلته لشيخ الأزهر أحمد الطيب، وقياداته، ظهر التوتر بين الجانبين. وكان محور هذا التوتر القضايا المذهبية التي كان الأزهر بعيداً عنها. ولم تستطع المجاملات البروتوكولية إخفاء هذا التوتر في المؤتمر الصحافي، حيث خرج الأزهر ليطالب إيران بسن قوانين تمنع سب الصحابة.
ومقارنة بفتوى الشيخ شلتوت في الستينيات، ظهرت فتوى أزهرية صاحبها عميد كلية الدراسات الإسلامية ينفي فيها فتوى الشيخ شلتوت، ويحرّم التعبد على مذهب من «يعتقد بتكفير الصحابة وتحريف القرآن، ورمي أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها وأرضاها بما برأها الله منه، ومن اعتقد ذلك فهو كافر».
الأجواء في مصر مسممة بالطائفية، وهذا أسوأ ما خلفته سياسات الهوية كما تمارسها تيارات الإسلام السياسي بكل ما تحمله من تضمينات عقدية ودينية ومذهبية، وما جرّته من وبال على المجتمع المنهك بسبب عقود التخلف والاستبداد والثورة المتعثرة.
وفيما يتصاعد التوتر القبطي ــ الإسلامي، تدور معركة أخرى جانبية منهكة وغير ذات قيمة، حيث يضع كثيرون ممن يعتقدون بخطر التشيع في مصر المسألة السورية سبباً لرفض التقارب مع إيران. وقد يصدق هذا على الجموع البعيدة عن تعقيدات الحرب والثورة الدائرة والمدفوعة بعاطفة دينية مذهبية متّقدة وربما إنسانية متعاطفة مع مأساة السوريين. غير أن هذا أبعد ما يكون عن القيادات السلفية وجماعة الإخوان التي استخدمت هذه الملفات أسوأ استخدام للحشد والتجييش في سبيل الصراع على السلطة، فيما لم تزل أسباب الثورة الأولى باقية من دون علاج وتهدد بتفجير الأوضاع مرة أخرى.