القاهرة | «وكان العشرات من الطالبات المقيمات في المدينة الجامعية بأزهر أسيوط قد تظاهرن أمس، احتجاجاً على اعتناق إحدى الطالبات المذهب الشيعي». هذا جزء من خبر نشرته صحيفة «الشروق» المصرية في عددها الصادر في الثالث من الشهر الجاري، تحت عنوان «إحالة طالبة متهمة بالتشيّع على التحقيق وإقالة مديرة المدينة الجامعية في أزهر أسيوط».


وعلى ما يبدو من العنوان، فقد اتخذت الإدارة إجراءات حاسمة ضدّ التشيّع المزعوم للطالبة الأزهرية. في الماضي، كانت صيغة «الاتهام» تراوح بين «نشر المذهب الشيعي» إلى «العمالة لإيران»، لكن في ظل الدستور المصري الجديد، ذهبت مسألة «الاتهام» الى أبعد من ذلك؛ فالدستور الحالي لم يكتف بما نصت عليه الدساتير السابقة بأن «الإسلام دين الدولة»، بل أضيفت إليه المادة 220، التي تُعيد «تفسير الشريعة» إلى «مصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة»، لتتحوّل بذلك مصر رسمياً، من «دولة مسلمة» إلى «دولة سنيّة»؛ فليس مفاجئاً أن يصير مجرد اعتناق مذهب آخر، اتهاماً.
طريق طويل قطعته مصر منذ تشكيل لجنة دستور 1923، أول الدساتير المصرية. اللجنة التي شُكلت من 30 عضواً، منهم 6 مسيحيين، وعضو يهودي، جاءت تجسيداً لـ«الوحدة الوطنية» التي سعت إليها ثورة 1919، وشعارها الشهير «الدين لله والوطن للجميع».
لكن اللجنة، مع ذلك، لم تعجب الوفديين. وسمّاها سعد زغلول في حينه «لجنة الأشقياء». فيما انتقد الليبراليون تعيين «دين رسمي للدولة». ومع أن صيغة «الإسلام دين الدولة» جاءت في موقع متأخر من الدستور الأول، المادة 149 منه، لكنّها تقدّمت مع الزمن، ومع الدستور تلو الدستور، الى أن ارتفعت الى المادة الثانية من الدستور، وأُضيف اليها «مذهب أهل السنة والجماعة»، في ظل حكم إخوانيّ يواجه أحداثًا طائفية تتسارع وتيرتها.
في السابع من الشهر الجاري، كان اعتداء القوات الأمنية بالخرطوش والغاز على مقر الكاتدرائية المرقسية في القاهرة، الحدث الأول من نوعه في تاريخ مصر. كانت الكاتدرائية تستضيف تشييع ضحايا أحداث الخصوص شماليّ القاهرة؛ آخر الحوادث الطائفية في مصر، عندما هاجمت الشرطة الجمع لمنع تحرّكه وردّاً على الهتافات الغاضبة ضدّ «حكم المرشد»، فسقط قتيل جديد. وأعلن البابا الجديد، تواضروس الثاني، اعتكافه، في حدث يبدو أنه سيتكرّر في ما بعد؛ إذ بينما تعصف الحساسيات الطائفية المتواترة في مصر منذ سنوات، يأتي الحُكم الإخواني تتويجاً لتلك الحالة؛ فالجماعة، الطائفية حُكماً، ترى خصومها أيضاً كطوائف لا كسياسيين أو أحزاب؛ ولا تراهم كيساريين أو ليبراليين، بل كـ«مسيحيين» أو «فلول» أو «ألتراس» أو «بلطجية».
وضعٌ بائس بالمقارنة مع ما كان يسميه المؤرخون «مصر الكوزموبوليتانية»، التي خلت من تنوّعها بالتدريج، بداية من حرب الـ48 ونزوح اليهود المصريين، تحت وطأة اعتداءات نفّذها ضدّهم الإخوان المسلمون، أشهرها تفجير حارة اليهود في القاهرة في أيار 1948. وتصاعدت هجرة اليهود أكثر مع ثورة تموز، قبل أن يسهم العدوان الثلاثي على مصر وسياسات التأميم في رحيل الجاليات الأجنبية تباعاً، وأبرزها اليونانيون والأرمن، ليرحل معها جزء من التنوع الديني والمذهبي.
ثم جاء عام 1960، الذي أغلق خلاله جمال عبد الناصر «المحفل المركزي للبهائية» المسجّل في المحاكم المختلطة منذ عام 1934. مع ذلك، ظل البهائيون المصريون يستخدمون أوراقهم الرسمية بصفة عادية، إلى أن صدر في 2004 قرار إداري ضمن مشروع «الرقم القومي» يقصر خانة الديانة على ثلاث فقط: مسلم، مسيحي، يهودي، لتُستبعد بذلك البهائية من الهوية تماماً.
المسيحيون، الذين نجوا نسبياً في العهد الناصري، بدأت معاناتهم على يد أنور السادات وبدء عصر الجماعات الإسلامية. «الرئيس المؤمن» نقل «الإسلام دين الدولة» من المادة الثالثة في دستور 1956، إلى المادة الثانية في دستور 1971. وأضاف عبارة «ومبادئ الشريعة الإسلامية مصدر أساسي من مصادر التشريع». وفي عام 1980، أضاف إليها (الـ) التعريف، لتصبح (المصدر الرئيسي للتشريع)؛ فلا يبدو غريباً ان افتُتح عهد السادات بفتنة «الخانكة» 1972، واختُتم بأحداث «الزاوية الحمراء» 1981. وفي أيامه الأخيرة، قبل اغتياله، وصل الخلاف بينه وبين شنودة الثالث، بابا الأقباط، الى حدّ أن أصدر السادات أمراً بتحديد إقامة البابا في وادي النطرون.
الفتنتان الكبيرتان في عهد السادات، انقلبتا إلى سيل من الفتن والاعتداءات الطائفية في العهد التالي. الصراع المفتوح بين نظام حسني مبارك والجماعات الإسلامية، أجّجته فتاوى تُتيح قتل الصاغة الأقباط ونهبهم لتمويل «الجهاد». كذلك أسّست سلطة مبارك نهجاً يعالج الفتن الطائفية وفق «الصلح العرفي»، بدلاً من قانون العقوبات. لقد طوّر ذلك مزيداً من الاحتقان مع الزمن؛ لأن الجروح ظلت مفتوحة، ولأن ما سُمّي «الفتنة الطائفية» كان في حقيقة الأمر اعتداءً متواصلاً على الأقباط.
انتصر مبارك أمنياً على الجماعات الإسلامية، لكنّه خسر معركة الوعي؛ فلقد هيمن على الساحة الداخلية تأسلم وهابي بدعم سعودي هائل، روّجه له دعاة سلفيّون اعتمد عليهم أمن مبارك لمواجهة الإخوان. لقد نجح السلفيّون، أكثر من اللازم، في المهمة الموكلة إليهم، حتى طغى التسلّف على جماعة الإخوان نفسها. في ظاهرة شرحتها دراسة «تسلّف الإخوان» للراحل حسام تمام.
لكن «القطبية الإخوانية»، نسبة إلى سيد قطب، والسلفية الوهابية، بقيتا وجهين لعملة واحدة، ومصدراً لوعي يناهض الدولة الحديثة من حيث كونها مؤسسة مساواة بين المواطنين، ويرفض جوهر الديموقراطية بوصفها عملية تساوي المسلم والمسيحي، الرجل والمرأة، ما يناقض التراتبية الدينية التقليدية. وكان من آثار هيمنة الأفكار الأصولية الرافضة للحداثة، تفجير مزيد من الفتن، ومزيد من الاعتداءات والعداوات ضدّ «الأغيار» أياً كانوا: أقباطاً، سياحاً، أو مفكرين.
هكذا اندلعت «ثورة يناير»، في ظل احتقان طائفي مستمر، آخر مسبّباته تفجير كنيسة القديسين ليلة رأس سنة 2011. خففت الثورة مؤقتاً من الاحتقان، لكن اندفاع الإسلاميين العاصف إلى السياسة وبدئهم مبكراً معركة «الدستور الإسلامي»، واختفاء القبضة الصارمة لجهاز أمن الدولة، رفع الاحتقان إلى مستويات كبرى. أسهمت فيه حوادث، كهدم كنيسة أطفيح في آذار 2011، ثم حادثة ماسبيرو تشرين الأول 2011، التي قُتل فيها عشرات المسيحيين على يد الشرطة العسكرية أمام مبنى التلفزيون. لينغلق باب الانفتاح المسيحي الخجول على الثورة، ويندفع غالبية الأقباط إلى تأييد المرشح أحمد شفيق في الانتخابات الرئاسية ضدّ الإخوان. لكن «الفريق» يخسر؛ فيجد المسيحيون أنفسهم في مواجهة المجهول. لم يكونوا وحدهم في ذلك؛ فبعدما نصّ الدستور الجديد على عدم الاعتراف إلا بالديانات السماوية، تبخّرت آمال البهائيين في كسب معركتهم لإعادة تسجيل هويّتهم في أوراقهم الشخصية. وفوجئ النوبيون بتصريح غريب للقيادي الإخواني عصام العريان يحتفي فيه بـ«الجالية النوبية» في مصر. وصار الشيعة المصريون، وغالبيتهم من الإثني عشرية، أمام ضغوط أكبر، عمّقتها العلاقة الملتبسة بين الإخوان والحُكم الإيراني، وهي علاقة هاجمها السلفيون الى أن تراجع الإخوان عن إعادة خط القاهرة ـ طهران. وهذا يعني أن الجماعة ستبقى في إطار خط «الاعتدال» الأميركي الذي كان مبارك أحد رموزه، مع خطوة إضافية هي صداقة دولة قطر بدلاً من عداوتها.
لكن ذلك «الاعتدال» يبقى وجهاً واحداً من وجوه تتشابه فيها الجماعة مع العهد السابق. وآخرها، أنها، تماماً كمبارك، أدارت «صلحاً عرفياً» جديداً، لإنهاء أحداث الفتنة الأخيرة في منطقة الخصوص. الا أن القبلات التلفزيونية بين الشيخ والقسيس، لن تُداوي سقوط سبعة قتلى، مسلم وستة أقباط؛ ستظل دماؤهم جمراً تحت الرماد، في انتظار الفتنة التالية.




92.600 مسجد و3126 كنيسة

يبلغ عدد الكنائس في مصر، وفقاً لدليل الكنائس، 2626 كنيسة، من بينها 1326 كنيسة أرثوذكسية و1100 كنيسة بروتستانتية و200 كنيسة كاثوليكية. فيما يقول باحثون من بينهم المستشار حسين أبو عيسى، إن هناك قرابة 500 كنيسة تعمل تحت اسم جمعية قبطية يجري إشهارها في وزارة التضامن الاجتماعي، ليكون العدد الإجمالي 3126 كنيسة، وهو الرقم الأقرب لترجيحات الباحث في شؤون المواطنة سليمان شفيق. ويضاف إليهم، وفقاً للباحث في الشؤون القبطية يوسف رامز، 21 ديراً للرجال يضم 2100 راهب و9 أديرة للسيدات تضم 600 راهبة، وهي تابعة للطائفة الأرثوذكسية.
أما عدد المساجد، فيبلغ ـ وفقاً للإحصاءات الرسمية ـ قرابة92.600 مسجد، منها 64676 مسجداً تحت ولاية وزارة الأوقاف، والباقي مساجد أهلية وصغيرة أو ما يطلق عليها في مصر «زاوية».
ووفقاً لسليمان شفيق، فإنه ما بين نيسان 2011 والشهر نفسه عام 2013، قُتل نحو 59 قبطياً، بينهم 28 في ماسبيرو و4 في أبوقرقاص و6 في إمبابة و12 في منشية ناصر وواحد في ليبيا وآخر في دهشور و7 في الخصوص، إضافة إلى جرح 714 آخرين في الحوادث نفسها، أي ما يعادل قتيلين و18 جريحاً كل شهر، فضلاً عن نهب ممتلكات 114 أسرة، في 580 حادثاً طائفياً منذ عام 1972 وحتى الآن.