دمشق | يستقبل أبناء جميع المدن والمحافظات السورية على نحو عام، والعاصمة دمشق على نحو خاص، العام الثالث من عمر الحرب الدموية التي تعصف ببلادهم، وسط مناخات يسودها التوتر والخوف، بعد تمركز قوات المعارضة المسلحة قبل أسابيع، في عدد من الضواحي الشمالية والغربية القريبة من دمشق وإعلانها خوض معركة جديدة لتحرير العاصمة.

تشديد أمني واضح، تشهده مجمل المداخل والطرق المؤدية إلى مركز العاصمة، ترجمه ازدياد عدد الحواجز الأمنية المنتشرة، والتدقيق في جميع البطاقات الشخصية لمجمل ركاب السيارات الخاصة، وحافلات النقل العامة على حد سواء، لكن لم تمنع مجمل هذه الإجراءات الاحترازية، سقوط عشرات قذائف الهاون التي أطلقها عناصر الجيش الحر، في مناطق مختلفة من وسط العاصمة خلال الساعات القليلة الماضية، مثل الفحامة وكفرسوسة، وبالقرب من دار الأمان للأيتام، متسببة بمقتل 5 أشخاص، وسقوط عشرات الجرحى.

«لعلها رسالة واضحة من المعارضة المسلحة، تلخص سيناريو الحرب التي أعلنتها وستخوضها في الأيام المقبلة»، كما يقول أبو خليل «57 عاماً» وهو صاحب محل لبيع الحلويات الشرقية في ساحة المرجة العريقة. يضيف «نستطيع اليوم التمييز بين طبيعة التفجيرات المتكررة. قذائف الهاون يسبقها صوت صفير مدوٍّ يصم الآذان، بعكس قذائف المدفعية وصواريخ الطائرات. أما انفجارات السيارات المفخخة، فلها وقع خاص أكثر رعباً، إنها تزلزل الأرض تحت قدميك، وتهز المباني على مسافة بعيدة». ويشرح أحد العاملين في المحل، كيفية تمييز طبيعة الأضرار التي تحدثها التفجيرات «إن كان لون الدخان المتصاعد من مكان الانفجار أبيض، فهذا يعني أن الأضرار تقتصر على تهديم المنازل والأبنية فقط، أما إذا ارتفعت سحابة من الدخان الأسود، فهذا يدل على احتراق مواد مشتعلة».
اعتاد سكان العاصمة التعايش مع التفجيرات الإرهابية المتكررة، مهما كانت طبيعتها وحجم الدمار والقتل الذي تخلفه وراءها. الغالبية العظمى ترفض الاستسلام لحال الخوف والقلق من تكرار مشاهد القتل واحتراق الجثث التي أحدثها تفجير منطقة المزرعة الأخير، والكثير من التفجيرات الإرهابية السابقة.
الجميع يحاول اليوم المضي قدماً في حياته على نحو طبيعي، هذا ما يؤكد الازدحام الكبير التي تشهده أسواق العاصمة دمشق، وحركة السير، وعمليات البيع والشراء، ورواد المقاهي والمطاعم.
يحاول البعض التغلب على قلقه وخوفه بالسخرية السوداء، حيث تقول إحدى النكات التي يتبادلها السوريون اليوم «إن رأيت مواطناً يسير في الشارع وهو يضحك بصوت مرتفع، فسارع بالتبليغ عنه لدى أقرب مشفى للأمراض النفسية، لأنه فقد عقله بكل تأكيد».
تتكرر فصول الحرب عن بعد على النحو التالي: تدخل كتائب الجيش الحر إلى قرية أو مدينة أو منطقة، تحت شعار التحرير من «الجيش الأسدي، وعناصر الشبيحة».
وتبدأ عمليات تطويع وتدجين سكان هذه المنطقة، بهدف تحويلهم إلى حاضنة شعبية لهم، لكنّ رد الجيش السوري النظامي يأتي سريعاً جداً.
يقصف المنطقة بكافة أنواع القذائف، من كافة الجهات، مما يتسبب بدمار وخراب كبيرين، للبنية التحتية، ومنازل المدنيين العزل، الذين يقفون متفرجين بصمت على منازلهم التي استباحها عناصر الجيش الحر، ومن ثم يقصفها الجيش السوري النظامي.
«لم أستجب لنداءات الجيش السوري المتكررة بإخلاء المنطقة، معتقداً أن المعركة لن تطول» يقول نزار «45 عاماً» الذي غادر منزله في حي جوبر الدمشقي، بعدما تحول إلى قاعدة عسكرية للجيش الحر منذ عدة أسابيع. انتبه أحدهم لوجودي داخل المنزل، فنصحني بضرورة مغادرة المنزل بسرعة، لأن «الجيش الأسدي» قد حدد موقع اطلاق القذائف، وسيقصف المكان بعد قليل. وهذا ما حدث فعلاً بعد أقل من ربع ساعة».
مع دخول الحرب السورية عامها الثالث، الغالبية العظمى من السوريين اليوم، تصف مجمل الأحداث الدموية، بأنها معركة البقاء على قيد الحياة. فالغالبية العظمى من المواطنين السوريين، تتقاسم المعاناة نفسها في صباح كل يوم جديد. فهناك سباق محموم يعيشه الجميع، من معارضين وموالين من أجل الحصول على رغيف الخبز، والوقود شبه المعدوم، والمواد الغذائية الأساسية، التي بلغت أسعارها أرقاماً خيالية.