يأبى تاريخ وسائل الإعلام أن يكسر مع قاعدته الذهبية. كلّ مفصل يؤرّخ لولادة وسيلة إعلامية جديدة، يتزامن مع حرب ضروس، فيصبح تاريخ هذه الوسيلة مرتبطاً بتاريخ تلك الحرب. هذه الجريدة مرتبطة بحرب الاستقلال في أميركا (1775) والثورة الفرنسية (1789)، بسبب الدور الكبير الذي لعبته خلالهما. والراديو الذي لعب دوراً في الحرب العالمية الأولى، كان بطل الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها المقولة الشهيرة «الحقيقة كانت أولى الضحايا».


حتى التلفزيون الذي كان العمل جارياً على صناعته بين الحربين العالميتين، وتأخر في الانتشار بسببهما، دُرس كأحد الأسلحة الفاعلة التي أحسنت أميركا استخدامها في الحرب البادرة. أما الفضائيات فتعدّ بطلة حرب الخليج الأولى (1991) بعدما نقلتها «سي. أن. أن.» بشكل مباشر.
هذه البطولة التي لعبتها الوسائل الإعلامية على مدى ثلاثة قرون من الزمن لم تكن دوماً موضع ترحيب. سلوكها هو الذي مهد الأرضية لولادة نظريات عن التضليل الإعلامي، والتزوير والتلاعب بالعقول وغسل الأدمغة وصناعة الرأي العام وتسويق الحرب قبل خوضها...
رغم ذلك، كنا نسمع مع كلّ ولادة جديدة لوسيلة إعلامية، النبوءات ذاتها عن أنّ ما سيأتي هذه المرة مختلف. وأنّ كلّ وعود الديموقراطية والنزاهة والمساواة ستتحقق. لكن ما حصل منذ التلفزيون، مروراً بالفضائيات، وصولاً إلى الإنترنت، أنّ حلم ماك لوهان بالقرية الكونية كان يتحقق من دون أن ينجح في ترسيخ المساواة بين مواطني هذه القرية، ولا في إحلال السلام.
لا تبدو القصة مختلفة اليوم. نحن نعيش مفصلاً تاريخياً على مختلف الصعد، ومنها الإعلام. هذا القطاع يشهد تحوّلات جذرية تطرح أسئلة جدية عن تحوّلات مهنية بدأنا نعيشها مع الـ«نيو ميديا». فماذا تغيّر؟
مع انطلاقة «الربيع العربي»، قيل الكثير عن مواقع التواصل الاجتماعي ودورها في صناعة الثورات. لكن التفاؤل لم يطل كثيراً، والحرب الإعلامية التي خيضت ضد النظام الليبي (مهما كان موقفنا منه) لم تكن إلا تدريباً بسيطاً على ما خيض ويخاض اليوم في سوريا. هناك، الحرب إعلامية أولاً، وهذا ما بات يكتبه أبرز الصحافيين حول العالم بعد عام كامل من الصمت. وبعيداً عن سياسات الفضائيات العربية التي قيل الكثير عنها، بتنا نقرأ عشرات المقالات عن الفارق الكبير بين الواقع الميداني لما يجري في سوريا على الأرض، وما تنقله وسائل الإعلام السائدة عن الفارق الكبير أيضاً بين ما تبثه وسائل الإعلام العالمية، وتلك «التابعة للنظامين السوري والإيراني» كما كتب الصحافي روبرت ماكي في مدوّنته على «نيويورك تايمز». خبر وخبر مضاد. تضليل وكذب وتزوير يمارسه الطرفان. تعتيم من جهة، وفبركة أخبار من جهة ثانية. كلّ هذا قد يبقى «مقبولاً» بين طرفين متحاربين. لكن المفارقة أن المنخرطين في حملة التضليل هذه هم دول وشخصيات عامة. أعجبهم مؤخراً تسويق الحرب على العراق بحجة أسلحة الدمار الشامل، فأحبوا تكراره في سوريا مع الترويج لإمكان استخدامها هذه الأسلحة ضد شعبها، من دون أي رادع.
من يحصي حجم الأخبار الكاذبة والمفبركة منذ عامين إلى اليوم سيوافق بالطبع على وصف هذه الحرب بأنها الأولى التي تشهد هذا الحجم من التضليل من قبل الطرفين. لكنه بالتأكيد ليس أبرز ما شهدته سوريا إعلامياً إلى اليوم. هناك ما هو أسوأ بعد. لفت الصحافي الإيرلندي باتريك كوكبيرن في «أندبندنت» (كانون الأول/ ديسمبر 2012) إلى الفيلم الذي يظهر عملية ذبح مواطنين، أحدهما طفل على أيدي مسلحين تابعين للجيش السوري الحر «رآه كل سوري التقيته في دمشق، لكنّه لم يبث في وسائل الإعلام العالمية. ليس لأنهم ضد بث هذه الفظاعات وإنما لأنها تعارض السياسة التي تديرها دولهم».
عمليات الذبح هذه، والسحل، والقتل والإهانة، «فظّع» المتحاربون السوريون في بثّها ونشرها عبر مختلف الوسائط المتاحة لهم. مثّلوا، لعبوا دور شهود العيان، ماتوا في أفلام وعاشوا في أخرى... روّعوا المواطنين السوريين... ونسفوا كل الأحلام التي بنيت على أهمية الدور التفاعلي للمواطن العادي في إيصال صوته وصورته إلى العالم.
لم تنجح وسائل التواصل الاجتماعي في المحافظة طويلاً على ريادتها لـ«الربيع العربي» الذي تحوّل سريعاً إلى حمام دم. وبما أنّ المنتصر هو من يكتب التاريخ عادة، قد (لا) يدرس طلاب الإعلام يوماً عن دور الـ«نيو ميديا» في صناعة الشرق الأوسط الجديد.