«سيأتي يوم تسألون فيه أنفسكم كيف لم تفعلوا شيئاً حيال المجزرة». رافقت هذه الجملة التقرير التلفزيوني الذي أعدّه الصحافي الإسرائيلي إيتاي إنغل وحمّله على الموقع الإلكتروني للقناة الإسرائيلية الثانية.


بعدها، تداول رواد اليوتيوب التقرير وشاهدوا كيف راح الصحافي الصهيوني يتباهى وهو يطرح نفسه داعية للسلام، ويحرص على دماء الشعب السوري، ومعاناته عند الحدود الأردنية (19/12/2012). يومها، أثار التقرير لغطاً كبيراً، فالمواقع الموالية اعتبرته صفقة إسرائيلية مع «الثورة» السورية، بينما ردت مواقع معارضة بأنّ في الأمر تهويلاً كبيراً، منوهة إلى أنّ الصحافي لم يدخل الأراضي السورية، بل التقى مع مهجرين في المخيمات في الأردن.
على أي حال، لإنغل تاريخ «عريق» كونه الصحافي الوحيد الذي دخل على ظهر دبابات العدو الإسرائيلي إلى جنوب لبنان في عام 2006، فردته نعال المقاومة مع جيشه. لكن في 13 آذار (مارس) 2012، جرّب أن يصنع مجداً من نوع آخر من خلال ركوب موجة «الثورة السورية»، فأنجز تقريراً قاربت مدته نصف ساعة، سجّل فيه أصوات رصاص متقطعة، وصوراً بعيدة لدرعا. وراح يسترسل في نعي زميله المصور الصحافي ريمي أوشليك ويحاول توثيق عملهما معاً في مصر وتونس، ليبتع ذلك بمجموعة غنائيات تندب وتلطم حزناً على الدم السوري كونه معنياً به.
ظلّ التقرير طلقة في الهواء لم تثبت بالدليل القاطع ركوب الصهيوني مطية الثورة كما حصل عندما أطلت العضوة السابقة في «المجلس الوطني السوري» المعارِضة بسمة قضماني لتجري حديثاً مع قنوات العدو. لكنّ الأمر لن يطول. ها هو إيتاي إنغل يغامر مرة ثانية بشراكة زميله أمير تيبون ليفاجآ الجمهور الإسرائيلي المتابع للقناة الثانية بريبورتاج صوِّر في سوريا ووثق شهادات حية بعدسة الصحافيين الإسرائيليين.
دخل الأخيران إلى الأراضي السورية عن طريق التهريب من الحدود التركية، ثم وصلا إلى إدلب وجالا فيها وفي ريفها بدعم من «الجيش الحرّ» وحمايته. وقد عرض الوثائقي في نهاية العام المنصرم ضمن برنامج «عوفدا». وأفاد إنغل يومها بأنه دخل لمعرفة تفاصيل العراك الدائر، والوجوه التي ستتسلّم السلطة بعد نظام بشار الأسد، ووجهة نظر المعارضة التي باتت تسيطر على جزء كبير من محافظة إدلب وريفها، وموقفها تجاه إسرائيل. وفي هذا الوثائقي، قال بعض عناصر «الجيش الحرّ» إنّهم لا يخشون ظهورهم على الشاشات الإسرائيلية، وذهب أحد المسلحين أبعد من ذلك حين قال إنّه لو عاد أرييل شارون وقرر إسقاط النظام، لتعاون معه شخصياً. هذا التصريح اعتبره إنغل من أجرأ التعليقات التي تخللها الشريط!
وعلى الرغم من بعض الانتقادات التي وجّهها معارضون سوريون ضد الشريط الوثائقي الذي اعتبروه محاولة تهدف إلى خلق بلبلة بين صفوف «الثوار»، مشددين على عداوتهم لإسرائيل، إلا أنّ هناك مَن تبنّاه وراح يسوّق له مبررات وذرائع عديدة. وسط هذا، بقيت وصمة العار تطبق بإحكام على هذا الزمن الرديء الذي استطاع فيه أبواق الإعلام الصهيوني أن يصولوا ويجولوا داخل الأراضي السورية بحجة حرصهم على دم «جيرانهم» وسعيهم إلى بناء علاقات وطيدة بين النظام السوري القادم وإسرائيل... إنه زمن الخيبة والهزيمة والعار مهما تشدّق المنظّرون بالنصر الموعود.