لطالما ظلّ التشابك الجيوسياسي والسوسيولوجي حاضراً بين سوريا ولبنان. تشابك فرضته عوامل عدة في زمني الحرب والسلم، أعقبه انقسام يتداور عليه أهل الحكم في بلاد الأرز عند كل منعطف؛ إذ يلبس لبوساً معارضاً للنظام السوري حيناً أو موالياً له في أحيان أخرى تبعاً لـ«بارومتر» المصالح والرياح الدولية. مشهد انعكس (طبعاً) على الجسم الإعلامي التابع بمعظمه لهذه القوى السياسية والأحزاب.


منها من بقي ثابتاً على مبادئه، فيما شكل آخرون رأس حربة في الذهاب إلى آخر نفق العداء والتحريض، وخصوصاً بعد اندلاع الأزمة السورية في آذار (مارس) 2011. ظلّ الثقل الأعظم متركزاً على الصحافة المكتوبة التي أصابتها شظايا الأزمة في العمق ومزقت أنسجتها، شهدنا ولادة محطات وصحف إلكترونية فرضت نفسها بقوة على المشهد الإعلامي، إلا أنّها سرعان ما سارت على درب مثيلاتها لجهة الاصطفاف الحاد والاستقطاب.
في الحديث عن البدايات وشرارات الانتفاضات على طول خط العالم العربي، كانت قناة «الجزيرة» رائدة في تلقف الحراك الشعبي في ميادين التحرير من اليمن إلى مصر مروراً بتونس وصولاً إلى ليبيا. كرّست الفضائية القطرية مفاهيم جديدة في مجالي الإعلام التقليدي والـ«نيوميديا» عندما عززت مفهوم المواطن المراسل البديل من الصحافي المقموع جراء تضييق السلطات الحاكمة، وأعطت دفعاً كبيراً للثوار لاستكمال انتفاضاتهم في وجه الديكتاتورية والتسلّط المزمن. هنا، تجلّت «الجزيرة» كذراع يُمنى لهذه الانتفاضات، قاطفةً ثمارها على الصعيد الشعبي قبل أن تخسر هذه القاعدة مع تمركزها مع الإسلاميين. لكنّ المفصل الأساس والاختبار الأكبر (ربما) كان لدى تغطية الحراك في سوريا الذي قصم ظهرها وشتت «جيشها» وكوادرها المنتشرين حول العالم، وخصوصاً في لبنان. فجأة، تتالت الاستقالات على خلفية كشف كمّ التزوير والتحوير في تغطيتها السورية وأجندة التعتيم والفبركة التي بدأت تطبيقها. كثيرة هي الأسماء الكبيرة التي برزت في موجة الانسحاب هذه، أهمها مدير مكتب القناة في بيروت غسان بن جدو الذي علا صوته إزاء ما يحصل من «انتهاكات مهنية» والتعاطي بعين واحدة مع بلاد الياسمين.
أمام كل هذه الدموية في المشهد السوري الذي «طلى» الفضائيات العربية، وفرض السلطات السورية سياسة التعتيم الإعلامي، وتضارب الروايات وتسهيل ولادة الفبركات المشهدية والخبرية على الفضائيات «المناوئة»، باشر الإعلامي التونسي بتأسيس مشروعه الجديد. ولدت قناة «الميادين» الفضائية من رحم الثورات في 11 حزيران (يونيو) 2012 حاملةً شعار «الواقع كما هو»، متبنيةً مبدأ المقاومة والقضية الفلسطينية ونبض الشارع (الأخبار 4/6/2012). فرضت القناة نفسها بديلاً لفضائيات باتت لا تعرف سوى لغة الدم والقتل والتشريد، لتطرح رؤيتها في مقاربة مغايرة لما يحصل رغم بعض المآخذ. وفيما اتخذت من القدس المحتلة بوصلة لها، وازنت «الميادين» على قدر بسيط في تغطيتها للأزمة السورية في محاولة «يائسة» لإرساء توازن بين المعارضة والموالاة. ولادة قيصرية توقع لها كثيرون الهبوط، لكن سرعان ما انطلقت محملةً بالسبق الصحافي وبكادر واسع الانتشار، يتمتع بمؤهلات حرفية ومهنية، نجح في إزاحة بعض «بشاعة» الواقع الإعلامي لمصلحة آخر «أقل احمراراً». أكبر نجاحات المحطة تجلّى أثناء تغطيتها للعدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزّة (عمود السحاب) في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي حين سرقت الشعلة من زميلاتها بجدارة (الأخبار 17/11/2012).
لبنانياً، ظلت بعض المحطات تمارس الكيدية وتعكس رؤى مالكيها في معارضة النظام والتعاطي بأحادية مطلقة مع الحراك السوري، سائرة على مبدئها الأساسي الذي اختارته منذ نشأتها مثل الـ mtv. على المقلب الآخر، احتفظت المحطات الأخرى الموالية للنظام السوري أيضاً بموقفها الداعم («المنار»، nbn)، فيما دخلت تغيرات واضحة على خطاب lbci التي نفضت عنها خطاب اليمين المعهود، بعد التغييرات التي طرأت على الكادر، متخطيةً بذلك خطاب الأمس بتجديد في الرؤية. «الجديد» بقيت تتأرجح في تسديد الضربات في مرمى كل من المعارضة والموالاة تبعاً لإبرة زئبقها المتغير مع كل منعطف. وحدها «المستقبل» اتخذت من منبرها رأس حربة، وظهرت «ثورية» أكثر من أهل الميدان! مارست المحطة الزرقاء فعل التشفّي والتحريض وتبني الروايات المفبركة وتغطية تحركات المعارضة السورية، فضلاً عن ابتداعها مصطلحات جديدة مستوحاة من عائلة الرئيس السوري بشار الأسد. لم تقف «المستقبل» عند هذا الحد، بل خصصت نشرة يومية تحمل اسم «سوريا اليوم».
التشظي الأبرز جراء الأزمة في سوريا تجلّى في الصحافة المكتوبة التي وقفت حائرة بين ناري المواءمة بين الرفض للتدخل الأجنبي في الشام، ودعم التحرك الشعبي وحقه في الحرية. أرخت الحيرة بظلالها على الجسم الصحافي، وخصوصاً في «الأخبار» و«السفير».
وسط كل هذه المتغيرات في الساحة الإعلامية، احتفظ التدوين بقيمته البارزة بالنسبة إلى كثيرين، فشكّل ملاذاً لهم لقول ما يريدونه بعيداً عن «سقف المحاسبة». آخر الغيث كان جريدة «المدن» الإلكترونية التي انطلقت في شباط (فبراير) الماضي مدعومةً من النظام القطري من طريق المفكّر العربي عزمي بشارة. مدير تحرير «السفير» السابق ساطع نور الدين أخذ بيد بعض رفاقه في الصحيفة وآخرين، وكوّنوا «المدن» التي جاءت لتعبّر بنحو صارخ وواضح عن دعم الانتفاضة في سوريا، جامعاً تحت عباءته موزاييك المعارضين، وطارحاً إشكاليات أخرى حول التعاطي مع قضايا وثورات وانتفاضات
أخرى.