غزة | كما لا دخان بلا نار، فلا تحرك أمنياً وإعلامياً بلا خلاف حقيقي، بل كبير. في رام الله «معركة مفتوحة» بين رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وكل من أمين السر لمنظمة التحرير ياسر عبد ربه، ورئيس الوزراء السابق سلام فياض. «معركة» تضاف إلى الخلاف الكبير مع القيادي المفصول من حركة «فتح» محمد دحلان، إذ يبرز الأخير كـ«حصان طروادة» يقتحم المشهد الفلسطيني من مختلف الشقوق والمنافذ، ولأول مرة منذ ثماني سنوات ظهر أنصاره علناً في غزة وهم يحملون صوره، تحت رعاية حمساوية واضحة.


هي رسالة فتحاوية ـ فتحاوية من دحلان إلى عباس، إذ اعتبرها الأول «بداية كسر الصمت بعد أن كابدنا النهج المنحرف لذلك الطاغية الصغير بصبر لسنوات». وأيضاً هي رسالة حمساوية لابتزاز «أبو مازن» بالارتكاز على اليد الطولى لدحلان على المستويين الخليجي والمصري.
أما العنوان الجديد ـ القديم، فهو ياسر عبد ربه، إذ بدأت الجولة الأخيرة معه بعدما رفع المذيع المقرّب من عباس، ماهر شلبي، إصبع الاتهام بوجه عبد ربه ودحلان وفياض، بشأن التقاء ثلاثتهم «سراً» بوزير الخارجية الأميركي جون كيري، في الإمارات. هذه الاتهامات التي مرّرها شلبي في برنامجه «حكي على المكشوف»، على قناة «فلسطين» الرسمية، كانت كفيلة بإضرام مزيدٍ من الحرائق المشتعلة أصلاً بين عباس وعبد ربه منذ أكثر من ثلاثة أعوام. وسرعان ما ردّ عبد ربه بلهجة حادّة، قائلاً: «لا يستطيع أحد أن يمارس لعبة خلط الأوراق... ما قاله شلبي ليس سوى انحطاط بهدف التشويش على الموقف الوطني الذي ندافع عنه تجاه العدوان على غزّة، والمصالحة، والمعركة في مجلس الأمن».

عبد ربه محاصَراً

عباس لم ينتظر طويلاً لتثمير اتهامات شلبي وقصقصة «أجنحة» عبد ربه، إذ جرّده من مهماته في ما يتعلّق بمخصّصات منظمة التحرير الماليّة، بعدما كان عبد ربه «اللغز» الأكثر استعصاءً على الحل كونه شخصية واسعة الصلاحيات داخل المنظمة، رغم أنه لا ينضوي تحت عباءة الخط الفتحاوي. لكن عضو اللجنة التنفيذية للمنظّمة، غسان الشكعة، يرفض عملية الربط بين الخلافات المحتدة بين عباس وعبد ربه، وتجريد الأخير من مهماته المالية والإدارية. يقول الشكعة لـ«الأخبار»: «تجريد أمانة السر للجنة التنفيذية من المهمات المنوطة أصلاً بالصندوق القومي الفلسطيني ليست قضية سياسية، إذ لا توجد حاجة إلى وسيط يتكفّل بالمخصصات المالية»، مضيفاً: «فُتح مكتب للصندوق القومي في الضفة بإدارة رمزي خوري، وأحيلت جميع الملفات الماليّة إلى الصندوق مؤخّراً». بعد ذلك، أكد الرجل أن «عبد ربه لا يزال على رأس عمله، وكان حاضراً في آخر اجتماع للقيادة الفلسطينية لبحث مسألة مجلس الأمن». كذلك دافع الشكعة عن عبد ربه بالقول إنه «من الشخصيات التي تبتعد عن المراوغة»، لافتاً في الوقت نفسه إلى أنّ إقالة أحد أعضاء «التنفيذية» ليست من صلاحيات الرئيس وحده، بل «هناك خطوات قانونية تحدّد القبول أو الرفض في حالتي الإقالة والاستقالة».

استفاقت غزة
أمس على صور تحرّض على عباس ومسيرات لأنصار دحلان

رغم ما سبق، تلوح إرهاصات تشي بأنّ إزاحة عبد ربه عن الواجهة السياسية باتت قاب قوسين أو أدنى، رغم غياب أيّ مرسوم رئاسي في هذا الصدد حتى اللحظة. لكن طرق باب «ملفات الفساد في مؤسسات المجتمع المدني» على يد رئيس محكمة الفساد، رفيق النتشة، يهيّئ الأرضية الصلبة لـ«أبو مازن» كي يطيح عرّاب مبادرة «جنيف» عبر بوابة الفساد المالي. وحتى تتضح الصورة، فعبد ربه يترأس مؤسسة «تحالف السلام» التي دشّنها عام 2000 عقب المبادرة، وأيضاً سلام فياض يمتلك مؤسسة «فلسطين الغد» الأهليّة والناشطة بقوة.
هذه «التخريجة» التي بدأها النتشة تتفق مع تصريحات مصادر تحدثت لـ«الأخبار»، وأكّدت أن «قرار الرئيس (الإحالة المالية) أصبح نافذاً، رغم تيقّن عباس من أن التقرير الأمني الأخير المتعلّق باللقاء السري في الإمارات غير صحيح، لكنه يفاضل الآن بين حلّين لصرف عبد ربه، إمّا بإقصائه مباشرةً، أو إعداد ملف فساد مالي ضده». يبدو أنّ الحل الثاني هو الأقرب إلى واقع القيادة في ظلّ تجاوز الحل الأول قرارات المجلس الوطني. هنا يوضح عضو اللجنة التنفيذية، جميل شحادة، لـ«الأخبار»، أنه «لم تجر دعوة المجلس الوطني للالتئام حتى اللحظة، وهو المكلّف ببتّ مسألة الإقالة، كذلك لم تناقش اجتماعات اللجنة أصلاً الخلافات الحادّة بين الطرفين»، مشيراً إلى أنها «اختلاف وجهات النظر» فقط.
كذلك فإنّ عبد ربه لا يتبوّأ أي منصب رسمي في السلطة، ما يعسّر إحالته على التقاعد، كما حدث مع جمال زقوت قبل أيام، وهو أحد المقربين من عبد ربه. وكان عباس قد أصدر، في الثامن من الشهر الجاري، مرسوماً رئاسياً يقضي بإحالة زقوت على التقاعد عن العمل، علماً بأنه كان يشغل منصب مستشار رئيس حكومة رام الله السابق، فياض، على مدار ست سنوات، كما كان عضو وفد في مفاوضات الحل الدائم بقيادة عبد ربه. وتواصلت «الأخبار» مع زقوت الذي رفض الاستفاضة في هذه الحادثة المفاجئة، مكتفياً بالقول: «هذا قرار تعسّفي جداً، لأنه جاء من دون إبداء الأسباب الحقيقية».

خلفية الخلافات

تعود بذور الخلافات بين عباس وعبد ربه إلى تاريخ «استحقاق أيلول» عام 2011، إذ اتهم الأول الثاني بمحاولة التشويش على مساره الدبلوماسي في إطار معركة الاعتراف الدولي بفلسطين، على أن عبد ربه وفياض أوحيا إلى العواصم العربية بعدم جديّة رئيس السلطة في استحصال الاعتراف. وبعد حروب كلامية، سحب عباس حقيبة الإشراف على الإعلام الرسمي، بما فيه هيئة الإذاعة والتلفزيون، من يد عبد ربه، ووصف ما جرى بأنه «طعنة في الظهر في لحظة تاريخية حساسة».
نقطة الانفجار جاءت بعد مدة وجيزة، إذ تراجع عبد ربه وفياض عن المشاركة في وفد فلسطيني كان مكلّفاً بنقل رسالة عباس إلى رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، وهو ما اعتبره المراقبون «القشة التي قصمت ظهر البعير». منذ ذلك الوقت، أخذ التنافر ذروته، وحظر عباس على تلفزيون «فلسطين» استضافة عبد ربه وفياض، قبل أن يفكّ الحظر لمدة، ثم عاود تفعيل ذلك الآن. يجري كل هذا مع أن عبد ربه من أهم «حمامات السلام» والتطبيع مع الاحتلال وأميركا منذ تعيينه في المنظمة عام 1971، لكنه خلال الحرب الأخيرة على غزّة أخرج كلاماً على غير العادة، إذ قال رادّاً على عباس: «غزة ليست راعيةً للإرهاب، بل هي درع صامدة في وجه الاحتلال... يا ويلنا نحن الفلسطينيين إذا كسرت غزة»، مؤكداً أنه «لا حماس ولا سلاحها يتحمّلان المسؤولية عمّا يجري، بل إسرائيل المجرمة».
والشهر الماضي تدخل الرجل نفسه في إشكالية تقويض العمل النقابي واعتقال رئيس النقابة العمومية ونائبها. فحضر عبد ربه وقائع الاجتماع الذي دعت إليه هيئة القوائم البرلمانية في المجلس التشريعي، وقال علناً: «لا يمكن أن تكون منظمة التحرير إلا مع الأصوات الداعية إلى وقف تعديات السلطة التنفيذية على حرية العمل النقابي».

فياض وخلافة عباس

مقابل الحرب العلنية مع دحلان وعبد ربه، تأتي المعركة الخفيّة بين عباس وفياض. فيبدو أن الأخير يستفيد من «الامتعاض العربي» من بقاء عباس على الكرسي، وبهذا يسعى إلى رفع أسهمه في الشارع الفلسطيني، وتوطيد علاقاته مع الخارج. وقبل الخوض في التفاصيل، من المهم الالتفات إلى أن قائمة «الطريق الثالث» التي أطلقها فياض في الانتخابات البرلمانية عام 2006 كانت مسيّرة بالخفاء من عبد ربه ومشحونة بالدعم الإماراتي.
وكانت حدة الخلاف بين فياض وعباس قد ظهرت 2012، إذ استقال فياض بعدما اختلف مع عباس على قبول أو رفض استقالة وزير للمالية يدعى نبيل قسيس، فيما كان فياض يمسك بقوة بتلك الحقيبة لسنوات. ومنذ استقالة فياض، انكفأ الرجل عن أي دور سياسي علني، وصبّ جهده في إدارة مؤسسته الأهلية (فلسطين الغد) التي تنشط في «التنمية المستدامة وتحسين نوعية الخدمات المقدمة للمناطق المنسيّة في الضفة والقطاع»، وقد أثارت جلبة كبيرة داخل صفوف «فتح» والسلطة بفعل ضخامة قدراتها الماليّة وتشابكها مع الدول المانحة والمؤسسات المحلية كذلك.
نتج من هذا الغضب الفتحاوي مداهمة جهاز الأمن الوقائي، غير المخول بملف المؤسسات، مؤسسة فياض، وتحفّظ على بعض الوثائق الإلكترونية، كذلك استدعي فياض للتحقيق في آب الماضي. ومع أنه لم تجمّد أصول «فلسطين الغد» المالية أو تغلق أبوابها بعد، فإن التقدير أن «أبو مازن» ماض في هذا الاتجاه. وتؤكّد مصادر أخرى لـ«الأخبار» أنّ «فياض ذو سمعة طيبة عند الدول المانحة، ويحاول أن يوسّع قاعدته الجماهيرية لدخول الانتخابات الرئاسية بقوّة، وذلك بالاستفادة من علاقاته الوثيقة بالقيادات الأمنية والرأسماليين في السلطة، فضلاً عن تسويق خلافته لعباس في الأوساط الأميركية والإسرائيلية التي لم تبدِ اعتراضاً، حتى اللحظة، على ذلك».
هكذا يكتمل «ثلاثي القلق» فوق رأس عباس الذي لم يعلن قرب موعد الانتخابات الرئاسية أو نيته الاستقالة من منصبه، ويزيد قلقه أنّ وزير الشؤون المدنية وحلقة الوصل بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، حسين الشيخ، أبلغه عن مخطط للانقلاب عليه يجمع عبد ربه وفياض ودحلان ورئيس جهاز الاستخبارات السابق توفيق الطيراوي، وأعضاء آخرين من اللجنة المركزية لـ«فتح»، وفق مصادر تحدثت لـ«الأخبار».
أكثر التعبير عن هذا «الخوف» أن غزة استفاقت أمس على ملصقات كبيرة في الشوارع تتهم عباس بالخيانة وتتوعّده بحدث فتحاوي ضخم منتصف الشهر المقبل. ويضيف أحد المقرّبين من دحلان: «عباس لم يعد يثق بأحد، وخصوصاً أنه يعاني حالياً أعراض شيخوخة تريد أن تقضي على ما تبقّى من مفهومٍ للقيادة الجمعية». ويستدرك الرجل: «كل ما يتراءى لعباس خرافات... الحالة الفلسطينية معقّدة، وليس سهلاً لأحد تولّي دفّة الأمور».
في المقابل، يرى القيادي الفتحاوي، يحيى رباح، أن «من يتحرّك بصفة فردية خارج الإطار الشرعي ويتجاوز صلاحياته، يجب عقابه»، رادّاً بأنه «ليس من حق أي عضو في المنظمة أن يتعامل مع الخارج من منظاره الشخصي بعيداً عن اللوائح والقوانين المقرّة»، وذلك في تلميح صريح إلى التسليم بصدقيّة التقرير الذي كشف اللقاء الثلاثي في الإمارات.




عبد ربه يصف «أبو مازن» بالديكتاتوري

ورد في محضر اجتماع بين عضوي اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ياسر عبد ربه وحنّا عميرة (مؤرخ في 26 تشرين الثاني الماضي) أن الأول قال إن محمود عباس يسعى إلى إحباط مشروع إنهاء الاحتلال، وذلك «بالإسراع في تقديمه قبل تأييد تسع دول له»، وهو ما ردّ عليه «أبو مازن» يوم أمس ضمناً، بالقول إن خطوة مناقشة المشروع دليل على «مصداقية القيادة». المحضر نفسه احتوى كلاماً لعبد ربه لمّح فيه إلى عجز السلطة عن التوجّه إلى محكمة الجنايات الدولية، كاشفاً عن اجتماع بين عباس ورئيس جهاز «الشاباك» الإسرائيلي، يورام كوهين، لنزع فتيل الأزمة في القدس المحتلة مقابل إجراءات إسرائيلية لبناء الثقة. الفقرة اللافتة أن عبد ربه وصف عباس بـ«الديكتاتوري الذي يريد الاستحواذ على كل شيء». ومن أجل التحقق من هذا المحضر وأسباب هذا التغيّر، التي لا تبدو سياسية، حاولت «الأخبار» الحصول على تصريحات من عبد ربه، لكنه لم يردّ على اتصالاتنا.