القاهرة | في الجامعة، كان ياسر عبد اللطيف شبه مسؤول عن تثقيفنا، فهو بحكم تربيته في مدارس فرنسية، كان دائماً أسرعنا في الوصول الى الكتب العلامات. ساعد في ذلك أنّ والده كان قارئاً جيداً يمنحه خبرته في الكتب. لذا كان كل كتاب يقترحه ياسر «خطوة ضرورية» لنعبر الى مساحة أخرى في أرواحنا، وزاد من ذلك أنّ كل المجموعات التي كانت تتقاطع معنا في الاهتمامات غلبت عليها سمة «التجنيد السياسي» لصالح مختلف التنظيمات، وكان مزاجنا الأدبي يقاوم دوماً هذا الشرط الذي يقرن المعرفة بـ «الاستعمال».


في ظل تلك الأجواء التكوينية، جاءنا ياسر ذات يوم برواية «الحارس في حقل الشوفان» التي ترجمها غالب هلسا للروائي الأميركي ج. د . سالنجر، وكانت المرة الأولى التي أعرف فيها اسمه، ومن مقدمته عرفنا أن تلك الرواية تعادل في تأثيرها أثر رواية «عوليس» لجميس جويس وبفضلها تعرفنا على ما سمي بـ «أدب الغاضبين». كانت الرواية غريبة الأجواء. ولما كانت التجربة اختياراً، فقد تجلى أنّ مترجمها رجل صاحب «مزاج» لأن اختيار عمل مماثل يركز على فكرة التزييف بلغة متقشفة جداً، كان يكشف عن مزاج أدبي معتبر. وأغلب الظن أنّ ياسر تعرّف إلى هذه الرواية بفضل صداقته بالكاتب الراحل ابراهيم منصور الذي كان من أقرب أصدقاء هلسا في مصر. ثم كانت المحطة الثانية مع اكتشاف ترجمة غالب لكتاب «جماليات المكان» لغاستون باشلار. كتاب كرّس لمترجمه صورة أسطورية غير واضحة المعالم حتى جاءت لحظة أخرى كنت أستمع فيها للفنان التشكيلي الراحل عدلي رزق الله وهو يقدم شهادة عن تجربته. وبدلاً من أن يفعل ذلك، ظل لأكثر من ساعتين يروي أثر غالب هلسا في حياته، وقد كتب ذلك في سيرته «الطريق الى البدايات». غير أني لم أضع يدي بقوة على ذلك الأثر لأنّ أعمال غالب لم تكن متاحة في مصر، لكن صورته ظلت تزداد غموضاً بفضل المرويّات التي كانت تتناقل عنه بين كتاب جيلي الستينيات والسبعينيات التي كانت تختلف إلى حد التناقض، لكنها تلتقي في زاوية وحيدة تتعلق بفكرة «التأثير». بدا غالب هلسا أقرب الى صورة «المبشر» منه إلى «المحرّض».

بشّر بنماذج أخرى للكتابة تقاوم النماذج التي كانت الواقعية الاشتراكية تعمل على ترسيخها


بعد أيام، وقعت في يدي نسخة من كتابه الذي صدر بعد وفاته بنحو عشر سنوات، وحرره ناهض حتر. كان عنوانه «اختيار النهاية الحزينة». وبفضل شاعرية العنوان، قرأت الكتاب في ليلة واحدة. وفي الصباح، كنت أمام الكاتب الراحل إبراهيم أصلان الذي كنت أعمل الى جواره، وسألته عن ابن جيله الموهوب الذي تأخرت كتاباته الإبداعية لصالح طاقته كمترجم ومنظر سياسي. كنت أعرف أن لصاحب «مالك الحزين» ميزانه الحساس، فهو لا يبالغ في تقدير أحد ويستطيع التخلص من الأحكام التي وقفت وراءها دائماً المعايير السياسية. ولما كان غالب لدى الغالبية مناضلاً سياسياً يسارياً تم ترحيله في ظل نظام السادات، فقد توقعت أن يكون رأي أصلان حذراً في تقدير أعماله. لكنه فاجئني يومها برغبته في إصدار طبعة مصرية من رواية «الخماسين» لغالب هلسا ضمن سلسلة «آفاق عربية» التي كان يشرفها على تحريرها. حكى عن «غالب» بحماس، وأشرقت أمامي صورة أخرى تقارب صورة أفراد «الشطار والعيّارين» في مصر المملوكية، وهم نمط من الناس عاش بقانون التحايل على العيش. لكن غالب استند إلى موهبة كبيرة وثقافة استثنائية بفضل تعلمه في الجامعة الأميركية وامتلاكه لغة انكليزية رفيعة مكّنته من الاطلاع والتبشير بنماذج أخرى للكتابة تقاوم النماذج التي كانت الواقعية الاشتراكية تعمل على ترسيخها كما فهمتُ من أصلان الذي حمل لي في اليوم التالي رواية «سلطانة». رواية فريدة في تركيبها وعالمها ومستوى التداخل اللغوي فيها، حيث قدمها امرأة تكاد تكون مستحيلة لها شبقها المتمدّد كسحر خالص. وفهمت تدريجاً أنّ مؤلفها ــ رغم التزامه السياسي ــ راهن على جماليات أخرى للكتابة. ربما يفسر هذا جزئياً تأخره في الكتابة، ويفسر أيضاً تأخره في النشر، ويبرر صداقته مع ابراهيم منصور الذي عرفناه عن قرب يعطي بسخاء، لكنه اكتفى بالتبشير بالمواهب وأعطى للحياة أكثر مما أعطى للكتابة، فهما ـ بنمط العيش الذي أخلصا له ـ راهنا معاً على الحياة شرطاً من شروط الكتابة.
أعطاني أصلان بروفات الطبعة الجديدة من رواية «الخماسين» وسمح لي بمراجعتها. كانت تجربة في المتعة الخالصة. وما إن انتهيت، حتى طلبت بقية الأعمال التي كانت موزعة بين مكتبة أصلان القديمة في بيت «الكيت كات» والجديدة في بيت «المقطم»، وظل يفاجئني كل فترة بنسخة من عمل إلى أن صدرت الأعمال الكاملة لغالب هلسا عن «دار أزمنة»، فاشتريت نسخة منها. والمفارقة أنني بعد أيام من تلك الواقعة زرت الأردن وتعرفت إلى ناشر أعماله الكاتب الياس فركوح الذي أهداني نسخة أخرى قرأت منها على شرفة فندق صغير في مدينة «مادبا» على بعد كيلومترات من «ماعين» القرية التي ولد فيها غالب «المتمرد الأبدي» بتعبير شقيقه. مشيت في شوارعها باحثاً عن هؤلاء الذين كتب عنهم ولم أجدهم، بينما كنت أجد أبطاله حاضرين في شوارع القاهرة ودمشق، الحضور الذي يشير إلى نموذج لمثقف عربي لم يعد قائماً الآن، ويخص حضور الكاتب الذي كان يعبر بامتياز عن زمن الوحدة العربية، ويقاوم بانفتاحه انغلاق الأنظمة التي تستعمله.
تخيلت للحظة لو أنّ غالب كان ابن أيامنا، كيف كان بإمكانه أن يقنع السلطات المصرية بعروبته وسعة اطلاعه وهي تتشكك في من يقرأ رواية «1984» ويمشي بها في الشوارع. كيف كان بإمكانه أن يحب دمشق التي عاش فيها أيامه الأخيرة وهي على صورتها الآن، محاصرة بين واقع كئيب ومعجزة لا تجيء، وكيف كانت ستستقبله بغداد التي لم تعد بـ «ثلاثة وجوه».