إلى غالب هلسا


* لقد لامني عند القبور على البكا
رفيقي لتذرافِ الدموع السوافك
يقول: أتبكي كل قبر رأيته
لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك
فقلت له: إن الأسى يبعث الأسى
فدعني.. فهذا كله قبر مالك

«متمم بن نويره»ـ في رثاء أخيه مالك


تلك روما إذن
واسمها مأدبا
فاسمها دير ماما إذنْ
كل هذه المقابر روما
على مشرف القلب ترصدنا
قاب رمشين أو دمعة
قبر «مالك» روما إذنْ
فلماذا إذن
طال درب الذي
كان يبحث في لوعة عن وطن
ثم عاد وليس على ظهره

غير هذا الكفنْ
***
حينما جفت المرحبا
بيننا
وتصحّر نبع العتابْ
لم يعد ليَ أن أغضبا
أتزمل بالحقد
كي أشتفي بالعقاب
لم يعد لخصوماتنا أن
ترمِّمَ هذا الخرابْ
لم يعد لانتصار هزيل
أتى هَيّنا
أن يخفف هذا العذاب
قد خسرنا توهج أحلامنا
وخسرنا تدفق أيامنا
ومحبة أوطاننا
والشبابا
مُزِّقَتْ، دون أن ندخل الحرب
أعلامنا
لم يعد عندنا
ما يستِّر عوراتنا
من ثيابْ
لم يعد ينفع الميت، وهو يُوارى،
بأن يُندبا
لم يعد يوقف النزف
أو ينفع الجرح
أن يُعصبا
أو يُسفّ عليه الترابْ
فلتكمِّل، إذن، يا صديقي خساراتنا
ولتؤجج عداء الشقيقين
واختر مبارزة بيننا
مثل عبدين في حلبة
يتراهن من أجل أشرسنا
سادة وخصوم لنا
ثم يخلو المجال لهم
للتفرُّد في الأرض
أو للتنعُّم في عالم
ليس فيه مكان لنا
كنت أحلم لو أننا
قد عرفنا الطريق
إلى حيث أعداؤنا
لنسير معاً
سيف ملحمة وقرابْ
ثم يأتي زمان يلائمنا
لنصفِّي الحسابْ
الذي بيننا
غير أنك تمضي لموتك
دون مراجعة.. أو جواب
***

كيف صغَّرتَ مرماك
حتى انتهى في فؤادي
وتضربُ لا يصل السيف
تطعنُ لا يصل الرمح
تطلق لا يصل السهم
أرجوك أن تتريث
تسمعني:
إننا وسط غابْ
تَحَوَّل معي ضد غدر الذئاب
وأناديك: ما كلّ طفلين تاها
سيلتقيان بذئبة غدر
تقدم أثداءها للرضاعة
هذا زمان الذئاب التي تتبدى لنا بشراً
وأناديك: يا صاحبي
ليس دربك هذا
وقتليَ لن يفتح الباب
نحو ضياء يحقق حلمَكْ
فأنا لست خصمَكْ
أنت درعي
أنا السهم في قوس حربكْ
حين أصيب المقَاتلَ
مثلي تصيب
وهذا العدو يوحِّد أقدرانا
وأنا، في المتاهات
أرقب، كي أهتدي لطريقيَ
نجمكْ
ولأني أحسُّك قربي
تقدمت
لم أخش طعنة غدر
ولم أتلفت ورائي بخوف
فأنت العزيمة في رحلتي
وأنا مَنْ، على عتبة الحرب،
قد شدّ عزمكْ
فلماذا تلحُّ عليَّ كأنيَ روما
وكأني الطريق إلى مأدبا
وأظل أداري بمغفرتي
وكأني تحوَّلت أمكْ.
***

أنت صدقت ما قدموا من وعود
أو تعبت فراوحت قبل وصول الحدود
وأنا لم أكن مذنباً
لمع الحقد في برق ضحكاتهم شامتين
رأيت الذي لم تشأ أن تراه
وأن تدركه
(أنت علَّمتني أن أرى)
قدموا حلبة وسلاحاً
ورصُّوا الشهودْ
لكي يشهدوا بيننا المعركهْ
كان درباً سلكت، بغفلة عمر
وحاولتُ أن استردَّكَ:
هل نتسلح من أجلهم بالشكوكْ
نتبارز بالألسنهْ
ننفش الريش
كي نتناقر مثل الديوكْ
نتجاهل أنا نُسَمَّن في مدجنهْ
أن رائحة من شواء الدجاج
تفوح من المدخنهْ
كي تقدم مائدة للملوك
ويبيعوننا نيئين وأحياء
نصبح أرصدة في البنوك
يا صديقي
تعال لنكمل درس الدجاج
الذي نسي الأجنحهْ
لم يعد يتضايق من بطئه
لم يعد يتطاول بالنظرات وراء سياج.
وتناسى زماناً لتحليقه
ثم راح يدب على الأرض
يبحث عن لقمة بين بعر النعاج
يغلق العين للنوم قبل الغروب
فلم تبق من حاجة
للنجوم أو البدر
أو للسراج
ويموت بغير جنائز أو أضرحة
أنت صدَّقتهم
فارتضيت الحروب الصغيرهْ
رحت تطالب بالأسلحهْ
أنت صدَّقتهم
حين قاموا على أمرنا
أغرقونا وعودا
لم تشأ أن ترى
أن من زوقوا الكلمات
تزيوا بهيئتنا مبدعين
وكانوا جنودا
إن من أججوا النار
كانوا يريدوننا
للثريد وقودا
أن هذي الخطوط
التي طرزت وهج أحلامنا
إنما رسخت حولنا حرساً وحدودا
لم تشأ أن تراهم معي
إن من طالبوا بدم التضحيات سماسرة
يحسبون الدماء نقودا
إن من طلبوا، باسمنا، القدس
كانوا يهودا
***

أيَّ روما تريد إذن يا صديقْ؟!..
كل روما لها رحلة وطريقْ
كل درب يؤدي إليها
إذا ما وجدت الرفيقْ
والرفيق، كما أوضحت لك أمك،
قبل الطريق
إن روما التي كنت تسعى إليها بلا رفقتي
قد تحولت الآن سوق رقيقْ
هل تعّمر «روما» ك
لا بأس، لكن تَذَكَرْ
فما كان روما
تقوم على جثة لشقيق
***

حينما جفَّت المرحبا
وتطاولتِ الكلمات لكي لا تقولْ
حرنت، دون أن تتحقق
ضيَّقتِ الدرب حتى يطولْ
حين غابت وراء خصاماتنا مأدبا
واختفت دير ماما
وأصبحت الأرض زنزانة
لم نجد بين قضبانها مهربا
كنتَ تصرخ مستنجداً
كنتُ أنوي الغناء لحلمي
ولكنَّ صوتي وصوتك ضاعا
أمام هدير الطبول
وانتهينا إلى باب مقبرة
نفقت تحتنا،
للوصول إليها، الخيولْ
وإذا الصبح، وهو يداورنا
قد تبدل
حتى انتهى مغربا
ففتحنا الظلام الكئيب
وسرنا إلى مأدبا
كي نلاقيَ روما التي أصبحت
كومة من وحولْ.
***
ها هو الموت يوقف هذا الخصام
ها هو الموت يعلن أني
هُزِمتُ بموتك
يمنحني فرصة للكلام
وأراهم يجيئون نحوي
يشدون أزري
لعل الذي في دمي
رغبة لانتقام
أنت لا تستطيع سماعي
ولن تستطيع الكلامْ
لن ترد العتاب أو المرحبا
سأقول: أحبك
وسأغسل قلبك من زيف أمجادهم
وأعيدك نحوي حليفا ودودا
يا صديقي اللدودا
أحبسُ الدمع
كي أبصر الدرب وسط الزحامْ
فأواريك في مأدبا
بين أطلال روما الظلامْ
ثم ألقي عليك السلامْ.

1990
ـ من ديوان ـ لا دروب إلى روما