حسن داوود *

كان مفاجئاً قوله لي، متّصلاً بي من دمشق حيث كان يقيم، أن أساعد الصبيتين قريبتيه على الانتساب إلى الجامعة. كانتا، حين التقيتهما، تذكرانه باسم عمّو غالب، وقد بدا هذا أشبه بصدى تردّد عن تلك المفاجأة. خطر لي أنّه لم يحدث له، هو غالب هلسا، أن سمع اسمه مسبوقاً بتلك الكلمة، أو بكلمة أخرى من قبيلها. لا لأنّه قضى حياته متنقّلاً بين البلدان، جاعلاً حصّته من كلّ منها مساوية لحصته من بلد ولادته ومنشئه، بل لتفرّده الدائم، حتى وهو يعيش حياته كما أرادها، منقّلاً إقامته بين الأردن ومصر والعراق ولبنان وسوريا.

في كتابه «ثلاثة وجوه لبغداد»، بدا لي منفصلاً عمّن أقام معهم في ذلك المنزل. في «الروائيون» كان كذلك أيضاً، وإن بين كثيرين آخرين. أما في عيشه، فبدا لي حتى من دون رفقة. وكان بيته في دمشق موحشاً أشبه بمكان انعزال أو اختباء، إذ لم تتخلّل جدرانه نوافذ، بحسب ما بدا لي، ولا تفضي إلى شرفات.
أما أكثر ما ينبّه لوحدته، فمجالسته والتمشي معه، سواء هناك في دمشق أو هنا في بيروت. ولم أكن أحتاج إلى دليل لتبيّن ذلك. يكفي مثلاً تركه وقت تمشّيه يجري على رسله، هكذا كأنه غير مرتبط بموعد لاحق أو كأنه أتى من ساعات قضاها من دون صحبة أحد. كنت أقول آنذاك إنه لا بدّ عاش مرارات لم يتمكّن لا هدوؤه ولا مسالمته من محوها. ولم أكفّ عن التساؤل عن تجاربه في البلدان التي نقّل عيشه بينها: لماذا، على الدوام، خرج حانقاً محبطاً من تلك البلدان. وهو أجابني ببعض التفصيل عن ذلك، في ما خصّ «ثلاثة وجوه لبغداد».
أعرف أنّ البعض قد يرى في السطور أعلاه تغليباً لتجربته الشخصية على ما كان يراه في تسلّط الأنظمة وتخلّفها. لكنّني، فيما كنت أقرأ كتبه، لم أجد نفسي مبتعداً عنه، هو غالب، الشخص، الذي أعرفه. كان دائماً هناك، إما الشخصية الرئيسية في الرواية، وإما واحداً من آخرين تجمّعت الرواية حولهم. ولا أعرف إن كان ذلك ينطبق على روايته «السؤال» التي، حين صدورها في مطلع الثمانينيات ربما، بدت لي مختلفة عما سبق من كتابته في «الخماسين» و«الضحك» و«زنوج وبدو وفلاحون». كانت تجمع بين الرواية السياسية والرواية البوليسية. وأذكر أنني سألته يومها من هو السّفاح، السفاح الذي هو الشخصية الأولى في الرواية. رحنا نقول يومها، نحن الذين اجتمعنا حول قراءتها، إنها الرواية البوليسية الأولى في الأدب العربي.
وفيما هو يكتب الصفحات الأولى من روايته «سلطانة»، قال لي إنّ الماضي الذي أغفله وراكم فوقه أزمنة تنقّله الكثير، يعود إليه بتفاصيله. أشياء كثيرة كنت أظنّ أني نسيتها وها إنني أستعيدها بالكتابة، قال. «سلطانة» هي روايته ما قبل الأخيرة، بحسب ما أذكر. وربما كنت مخطئاً، إذْ ـ في تلك السنوات التي أعقبت وفاته ـ رحت أتذكّره هو، تاركاً كتبه، أو قراءتي لكتبه، عرضةً لما يأتي به الزمن على الذاكرة. وما بقي من تلك الكتب على حاله هو ما حفظته متّصلاً بنقاشاتنا حوله، أو بما كان يقوله لي عنها ناقلاً إياها إلى ما كنا نتساير به في جلوسنا أو تمشّينا.
أنا واحد إذن من أولئك المجهولين الذين ظللت أقول إنّهم يجب أن يفعلوا شيئاً من أجل أن يبقى أدب غالب، ذاك الذي كان يُغنينا مع كلّ كتاب جديد، والذي علّمنا أنّ الكتابة ينبغي لها أن تتعدّى الموهبة وتتخطّاها.
بقيت أقول إنني يجب أن أبادر إلى شيء لغالب، كأن نعود ونجتمع حول أدبه مثلاً، كأن نحاول رفعه إلى الضوء لئلا تضعفه تلك العتمة أو تنال منه. لم أبادر، لم أفعل، استعضت عن ذلك بشعور بالذنب ما زال مقيماً، منضماً إلى مشاعر مماثلة أخرى.
* روائي لبناني