بداية، لا بد من دفع شبهة أن العدوان الذي نفذه سلاح الجو الإسرائيلي، أمس، بالقرب من دمشق، لا علاقة له باختيار اللواء غادي إيزنكوت رئيساً جديداً لهيئة الأركان الجيش، إذ إن الأخير لم يتولّ منصبه رسمياً، وبالتالي لم يصبح في موقع صانع القرار الأساسي من موقعه الجديد، بل إن الحكومة لم تصادق على تعيينه حتى الآن.


على خط مواز، إن إيزنكوت هو جزء من مطبخ القرار العسكري من موقعه كنائب لرئيس أركان الجيش. وبالتالي هو مسؤول مباشر عن كل السياسات العسكرية التي نفذتها إسرائيل بشكل عام، وإزاء سوريا بشكل خاص في ما يتعلق بهذا النوع من الهجمات.
تأتي الضربات الجوية الإسرائيلية امتداداً للسياسة العملانية التي تعتمدها منذ نحو سنتين إزاء الساحة السورية، إذ نفذت ضربتها الأولى في 31 كانون الثاني من العام الماضي. ومنذ ذلك الحين، توالت الضربات الموضعية والمحدودة على فترات زمنية متباعدة، وضد أهداف متفرقة. وبالتالي، فإن ما جرى يندرج تحت سقف المعادلة نفسها التي أرستها إسرائيل مطلع السنة الماضية.
وكما الضربات السابقة، تبلور القرار بهذه الضربة العسكرية في الأراضي السورية، انطلاقاً من رهان وتقدير إسرائيليين بأن المواجهة التي يخوضها الجيش السوري في مواجهة الجماعات المسلحة على الأراضي السورية ستشكل قيداً على النظام وحلفائه، باتخاذ قرار بالرد الجدي والرادع. وهو ما منح إسرائيل هامشاً من المناورة سمح لها باستغلاله في توجيه ضربات ورسائل متعددة، وخاصة أن الاعتداءات الإسرائيلية لم تبلغ حتى الآن مرحلة تهدد أركان النظام وتؤثر بشكل مباشر في المجريات العسكرية.
الى ذلك، باتت إسرائيل بحاجة الى ضربة من هذا النوع بعد الصفعة التي تلقتها في الساحة اللبنانية على يد حزب الله، بهدف إعادة تثبيت المعادلة التي أرستها منذ نحو سنتين بعد الضربة الجوية الأولى، وترميم صورة قوة الردع التي تضررت في أعقاب رد حزب الله على محاولة إسرائيل فرض معادلة جديدة تستهدف إطلاق يدها على الساحة اللبنانية. ويبدو أن إسرائيل انطلقت في اعتداءاتها ضد حزب الله في حينه، من تقدير اكتشفت خطأه بعد ردود حزب الله، حول جهوزية الأخير لخوض مواجهة عسكرية على أكثر من جبهة، واحدة في مواجهة الجماعات الإرهابية وأخرى في مواجهة إسرائيل. لكن رد حزب الله ترك تداعيات قاسية حتى على مستوى الداخل الإسرائيلي، الذي اعتبر في حينه أن قوة ردع إسرائيل تضررت في أعقاب تبادل الضربات مع حزب الله.
مع ذلك، من الصعب الفصل بين قرار الاعتداء الإسرائيلي في هذه المرحلة، عن السياق الداخلي السياسي الإسرائيلي، إذ بعدما انهارت حكومة بنيامين نتنياهو التي أعقبها انطلاق مسار إجراء انتخابات مبكرة، على خلفية عناوين داخلية، تصب كلها في غير مصلحته. بات يحتاج الى إعادة استحضار العامل الأمني لدى الجمهور، والذي ثبت أنه كان أحد أسباب نجاحه في الحملات الانتخابية السابقة.
لكن التطورات السياسية والأمنية الأخيرة، قلصت هامش نتنياهو في استغلال هذا العامل، إن لم تكن سلبته إياه بنسبة كبيرة.
على المستوى النووي الإيراني، بات أسير المفاوضات ولم تعد التهديدات تجد صداها الذي كانت تتركه في حينه، سواء لدى إيران أو حتى الدول الغربية الكبرى.
لجهة العدوان الأخير على غزة، لم يؤدّ الى نتائج سياسية واستراتيجية تسمح لنتنياهو بتوظيفه في الانتخابات. بل على العكس، فقد باتت الحرب على غزة تندرج ضمن العناوين السلبية في سجل نتنياهو الأمني.
وأسقطت العمليات الأخيرة في القدس والضفة الغربية مقولة أن سياسة الحزم والحسم التي يتبعها جلبت لإسرائيل الأمن والأمان. وأثبتت أن السياسة التي يتبعها نتنياهو لم تجلب سوى التوتر السياسي والأمني لإسرائيل.
أما محاولات إحداث ثُغَر في المعادلة القائمة مع حزب الله فقد انتهت الى نتائج سلبية جداً على صورة الردع الإسرائيلية.
وهكذا لم يبق أمام نتنياهو، كهدف يسمح له بمحاولة تعزيز رصيده الشعبي على خلفية أمنية سوى الساحة السورية، وخاصة أن الانطباع الإسرائيلي هو أن أي اعتداء محدود لن ينطوي على مغامرة عسكرية تهدد الاستقرار الإقليمي، انطلاقاً من الوضع الداخلي في سوريا. ويمكن القول إن ردات الفعل الإعلامية التي توالت في الساحة الإسرائيلية تكشف صحة هذا التفسير، وخاصة أن أخبار الاعتداءات الإسرائيلية احتلت عناوين المواقع الإلكترونية للصحافة وشاشات التلفزة.
أما على المستوى الاستراتيجي، فتبقى إسرائيل طرفاً إقليمياً ينضوي ضمن محور دولي إقليمي، ويتقاطع مع آخرين في مواجهة أعداء مشتركين. وبالتالي، فإن الاعتبارات السياسية والميدانية التي تشهدها المنطقة، وتحديداً في سوريا والعراق بالتأكيد، كانت حاضرة لدى صانع القرار الأمني والسياسي، لدى اتخاذه مثل هذا القرار. وعلى ذلك، فإن الحديث عن أن لهذه الضربات علاقة مباشرة وغير مباشرة بالمسار التصاعدي لمحور المقاومة ليست من باب التخمين أو الفرضية الضعيفة. بل هي حقيقة تصدع بها كل الوقائع، وخاصة أن إسرائيل جزء أساسي من الساحة الإقليمية، الذي يتأثر سلباً من انتصار محور المقاومة. ومن الجدير التذكير بموقف وزير الجيش موشيه يعلون الذي أكد قبل أشهر أن من الممنوع على محور إيران الانتصار في سوريا.