كنا في مطلع الألفية مجموعة من «الثوار». جئنا من مشارب حزبية مختلفة. كل منا يؤمن بنصف إلهه وبقائد مفدى خالد معصوم مظلوم. وكان ظلم تلك الأيام رابطتنا، ووطأة زمن الوصاية جامعاً لنا في سراديب التحقيق البوليسي وتحت جزمات الاعتقال. وكنا نبحث معاً عن كوة ضوء صوب الحرية. سنة 2000 سافرت إلى واشنطن لاكتشاف مزاج روما الجديدة حيال ولايتنا الامبراطورية المزروكة على شرق المتوسط، بين مقاطعتين أميركيتين: واحدة معلنة لا نعترف بها هي إسرائيل، وأخرى مكتومة لا تعترف بنا هي سوريا.


ذهبت محشو الرأس ببضعة كليشيهات أكاديمية من زمن دراستي السياسة وفلسفتها، عن جون لوك الذي استوحى منه جفرسون «إعلان الاستقلال»، وعن دي توكفيل وبحثه الرائع عن «الديمقراطية في أميركا». بين المطار والتاكسي والفندق، تكفيك المسافة لنزع كل الأوهام. المهم أنني اكتشفت يومها معادلة فاقعة في العاصمة الأميركية حيال دمشق. اكتشفت أن لا أصدقاء لسوريا في واشنطن. لكن كثيرين هناك يجدون فيها مصلحة أميركية ثابتة. واكتشفت في المقابل أن أصدقاء لبنان كثيرون حول نهر البوتوماك، لكنّ أياً منهم لا يرى في بيروت مصلحة أميركية.
مرت الأيام، وصرنا نبحث عن كيفية تحولنا مصلحة ما لواشنطن. علّمنا أحد «اللوييست» اللبنانيين المخضرمين، أن بداية أي مقاربة ناجحة لأهل «المثلث الفدرالي» تكمن في أن تجيب مسبقاً عن سؤال غير مطروح في أذهانهم: لماذا علينا أن نساعدكم؟ بعد تخطيك هذا الامتحان بنجاح، عليك البحث عن جواب ثان لهم: كيف يمكن أن نساعدكم؟ وصرنا نتخيل، ونجترح وننسج قراءات وتنظيرات عن جيوبوليتيك واقتصاد سوق ومجتمع مدني وقيم ديمقراطية وحريات دينية، وعن نموذج أميركي وحيد ــ قال ــ في منطقتنا. عبأنا كل تلك المقولات في رؤوسنا الصغيرة، وصرنا ننظم غزوات دورية لواشنطن، كما لممثليها في عوكر... من دون جدوى. فجأة انقلب الوضع رأساً على عقب.

فجأة، صار لواشنطن «سياسة لبنانيّة»،
وصرنا نأكل ونشرب في صحن ابن بوش
فجأة صارت للبيت الأبيض «سياسة لبنانية»، وصرنا نأكل ونشرب في صحن ابن بوش، وننام في مخدعه، بينه وبين الزوجة غير المخدوعة على الأقل. لم نفهم ما حصل، ولا لماذا، لكن حبورنا وغبطتنا ونشوتنا بالانتصار كانت كافية لتخطي عبء السؤال والفهم والمعرفة. في تلك الفترة، أقنعنا أنفسنا، وحاولنا إقناع ناسنا، بأن القدر اختار أسامة بن لادن حليفاً موضوعياً لنا، وأن زلزال 11 أيلول أنقذنا. صارت أميركا في مواجهة مع «الإسلام الفاشي»، كما سمّاه المحافظون الجدد. فصارت سياستهم الخارجية مسألة داخلية للمرة الأولى في تاريخهم. صدر «باتريوت أكت» وأقيمت «وزارة الأمن». وتحولت مناهج «المدارس» التي تمولها العائلة السعودية شأناً يمس آخر مزارع أميركي في حقول آيوا. هكذا، توهمنا أن مصلحة أميركا تقاطعت معنا، وأن القرار الأول والأخير هناك بات في يد الكونغرس، تماماً كما قبل مئتي عام، كما يوم شيدوا عاصمتهم من النقطة صفر حول تلة الكابيتول، وفكروا حتى في عدم الحاجة ولا الضرورة لانتخاب رئيس! المهم أننا عشنا شهر عسلنا الأميركي. على مدى عامين ونيف، بين «قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان» وبين الرقم المميز 1559، صارت واشنطن مربط خيلنا. يستقبلك الجميع ببسمات عريضة، من أبرامز ووولفوفيتز، إلى ساترفيلد الذي كان «يكش» في وجهنا في بيروت. وصرنا نسمع كلاماً يرن في آذاننا، عن أقليات ومسيحيين، وعن «بيبل» جورج بوش وأيقونة «تيوتوكوس» البيزنطية في صورته العائلية، وعن إعادة طبع كتب برنارد لويس، وعن وعن... ولم نكن وحدنا في ذلك الحلم الصيفي. مجموعات لا تحصى، تمثل كل ضحايا بؤس المشرق، شاركتنا تلك الرؤية. أقباط وأشوريون وكلدان وسريان... كلهم صاروا مستنفرين في واشنطن. كلهم اعتقدوا أن الذين خلفوا الهنود الحمر الغربيين في أرضهم، لم يعودوا يرون فيهم هنوداً حمراً شرقيين.
ذات يوم انتهى الحلم. أفقنا على جرس إنذار أميركي يقرع في رؤوسنا ونظامنا. خرجت سوريا، الآن مطلوب إقامة نظام السنيّة السياسية. أنتم ملحقون به. الشيعة سيعطون بعض الوقت للانتهاء من العلويين. بعدها يسود «باكسا أميركانا» دائم، يؤمن نفطنا ويرضي أهل النفط. كانت الصدمة. وكانت عظيمة. بعدها صدرت الكتب في مقلبي الأطلسي. عن قمة النورماندي وعن أسرار شيراك وحقيقة بوش و»صليبييه»، فأدركنا كم أننا سذج.
كمن يستعيد أثناء سقوطه من شاهق فجوات حياته، صرت أستذكر لحظات ماضية لم أفهمها في حينه: لحظة أولى، يوم أخذني دبلوماسي أميركي نزيه صادق من كتفي في مخبأ ثوارنا السري، وهمس في أذني: «لا تصدق وعود زميلي الآتي من واشنطن الآن ولا تعهداته. هذا بيع كلام. أؤكد لك أن بوش لا يعرف أين يقع لبنان على الخارطة!». لحظة ثانية حين جلسنا في مكتب كبير في الخارجية الأميركية، وسألنا الرجل المهم الجالس خلفه: «إذا أخرجنا سوريا من وطنكم، ونقلنا اللاجئين الفلسطينيين منه، وألزمنا إسرائيل بعدم الاعتداء على سيادتكم، هل يؤدي ذلك إلى حل دائم لقضيتكم؟». وقبل أن يجيب أيّ منا، ارتسمت على وجه المسؤول بسمة ساخرة لا تزال تنكأ وعيي بعد عقد ونيف. لحظة ثالثة، حين وقفت دبلوماسية أميركية باحثة في إحدى جامعات بيروت، تصارحنا عن ثوابت سياسة بلادها؛ هي ثلاث: أمن الأراضي الأميركية. رفاه مواطنينا. والقيم الديمقراطية. قبل أن تضيف: لكنها تخضع لتراتبية ثابتة أيضاً: أمننا التزام أول. حين لا يكون في خطر، نسعى إلى رفاهنا. وحين يتأمن ذلك نعطي الباقي من وقتنا والجهد لإقامة الديمقراطية... الآن فهمت. أو بالأحرى، تعلمت.