■ تتحدث في كتابك «انفجار المشرق العربي» (2007) عن «مرايا مشوهة لا يرى من خلالها الشرق الغرب، والغرب الشرق، إلا بعين العداء والتشنج»، وتنتقد مفهوم ثنائية التخلف والإمبريالية بصفتها «أحادية» و«اختزالاً»، فهل تغيّر مفهومك للثنائية هذه؟

نعم، بطبيعة الحال. تدور أعمالي منذ سنين حول تفكيك المقولات الفكرية المدمرة ذات الطابع الايديولوجي الثقيل، كمقولة «الشرق» و«الغرب» التي أسميتها «الهويات العملاقة»، أي ما فوق القومية أو الإثنية أو حتى الهوية الدينية.

أعتبر أنه يجب علينا كعرب أن نخرج من هذه الطروحات التي أدخلتنا في خرافة هانتينغتون، «حرب الحضارات». من الضروري أن نسحب أنفسنا فكرياً من طروحات الدوائر الاستعمارية أو الأكاديمية الغربية، وننظر إلى مجريات واقعنا الراهن كما هو داخل مجتمعاتنا العربية. خبرة العرب مع الاستعمار القديم وهيمنة الإمبراطورية الأميركية ليست فريدة، فلماذا لا ننظر إلى تجربة شعوب أخرى تعرضت لهجمات استعمارية قوية للغاية، مثل الصين وفييتنام واليابان في القرن التاسع عشر، وخرجت من هذا الوضع، فيما نحن ما زلنا نتخبط فيه؟ ما زالت الانقسامات في الجسم العربي تتزايد، بينما نشاهد الاستعمار الأوروبي-الأميركي يجدد نفسه وأساليبه، ويستقطب العديد من حكام العرب ونخبهم إلى جانبه، ما يغذي آلية الحرب الأهلية العربية المتواصلة التي نشهد اليوم مأساتها بكل أبعادها في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا وغيرها من الأقطار العربية.

■ ما توصيفك لما يجري في هذه البلدان؟ هل ما نشهده حرب أطلسية شاملة؟
لا، بل هناك قضايا فكرية اختلف العرب حولها. منذ زمن تراجع وانحطاط السلطنة العثمانية، تفرق العرب في سبل معالجة أوضاعهم، فذهب بعضهم في الاتجاه الإسلامي الطابع، وكان إسلاماً تنويرياً أيام الأفغاني ومحمد عبده وشكيب أرسلان وغيرهم، وذهب آخرون في الاتجاه القومي على النمط الحديث، أي نمط الدولة العربية القومية الوحدوية. أخذ هذا الصدام الفكري طابعاً مأسوياً خلال الحرب الباردة، حين انخرطت أنظمة عربية عدة في معسكر الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفياتي،

جيش إسلامي عابر للقوميات يتم توظيفه من قبل تحالف باكستان/ السعودية/ الولايات المتحدة/ أوروبا
ووُظّف الدين في الصراع بشكل كبير. جرى تدريب عشرات الآلاف من الشبان العرب، ليس ليحاربوا في فلسطين ويحرروها من الاحتلال الصهيوني، بل ليحرروا أفغانستان من الاحتلال السوفياتي، وهي دولة ليس لنا معها أي نوع من العلاقات التاريخية أو الثقافية أو التجارية منذ قرون. مرّت هذه الظاهرة الغريبة والشاذة من دون أن يحتج أحد من العرب على توظيف الدين الإسلامي لمصلحة الدول الإمبريالية التقليدية، أي الولايات المتحدة وأوروبا، وضد الاتحاد السوفياتي الذي كان قد قدّم العديد من المعونات للعرب. جرى تصوير الحرب وفق خرافة «حرب حضارات» بين «دول مؤمنة» من جهة، وكانت أميركا تُعتبر كذلك، و«الإلحاد» ممثلاً بالاتحاد السوفياتي من جهة ثانية. أتت الثورة الإيرانية في المرحلة نفسها لتقيم نظاماً دينياً يمزج بين عناصر الديمقراطية الغربية التقليدية، من انتخاب مجلس نيابي ورئيس للجمهورية وغيرها، وبين وصاية فقهاء الدين على الحكم، ما خلق مناخ انقسام جديد في العالم العربي بين طرح الخميني العقيدي لنهضة ووحدة إسلامية من جهة، وطرح الصحوة الإسلامية على طريقة السعودية من جهة أخرى، المرتكزة بدورها إلى أدبيات الإخوان المسلمين، وعلى خلفية المذهب الوهابي المتحالف مع العائلة السعودية منذ قرنين من الزمن. رأينا عندها العديد من المثقفين العرب وقد تركوا المواقع التقدمية والقومية والاشتراكية، لينتقلوا إما إلى صف العقيدة الإيرانية، أو إلى صف عقيدة «الصحوة الإسلامية» الوهابية السعودية. نسينا القضايا التي تخص الوطن العربي لأن كماشة الحرب الباردة خلقت شرخاً أكبر أيضاً بين النخب العربية وقضايا شعبها؛ كانت سياسة المحاور مدمرة، ووصل الوضع إلى مرتبة الجنون المطلق عندما قام صدام حسين، لحساب المَلكيات النفطية في دول الخليج العربي وحساب أميركا، بمهاجمة إيران التي كانت ترفع راية الدفاع عن فلسطين ومقاومة الإمبريالية الغربية، فبات الوضع العربي برمته سوريالياً! ما يحصل على الساحة العربية اليوم هو نتيجة هذه المرحلة التاريخية حيث تفرقنا وبدأنا بتدمير النفس!

■ في أي سياق تضع عملية التدمير الممنهج للعراق وسوريا اليوم؟
العملية هي امتداد للحرب العراقية الإيرانية. الأخيرة أدت إلى غزو الكويت، ما أدى بدوره إلى تدخل استعماري هائل، وإقامة معسكرات أميركية عملاقة في الجزيرة العربية، الأمر الذي كان يشكل حلماً للإدارة الأميركية منذ أيام وزير خارجيتها هنري كيسنجر عام 1973 أثر ارتفاع أسعار النفط و الحرب «الإسرائيلية» العربية. بعدها أتى الغزو الأميركي للعراق وإقامة نظام طائفي فيه. كان النظام السابق ديكتاتورياً، لكنه لم يكن طائفياً. بدأت اللحمة المجتمعية العراقية تتفكك نتيجة ذلك، مع سرديات طائفية الطابع، تختصر مسألة العراق بالقول إن الطائفة الشيعية كانت مضطهدة من قبل أقلية سنية، تماثلها سردية حول سورية تقول إن أقلية علوية تضطهد الغالبية السنية. أخذت السرديات تلك تتعمم في الإعلام الدولي والعربي على نحو خاص، كما تعممت السردية المماثلة عن الحرب اللبنانية التي صورت ماهية أو جوهر الصراع في لبنان على أنه صراع بين المسلمين والمسيحيين، في حين كان الصراع مع «إسرائيل» هو السبب والإطار الحقيقي للحرب. أنا أحارب هذا النمط من التفكير في كل أعمالي، وكان هذا موضوع كتابي الأخير «نحو مقاربة دنيوية للنزاعات في الشرق الأوسط» كي نفهم الرهانات الحقيقية لقوى الهيمنة الأوروبية والأميركية وللدول الإقليمية الكبيرة، كما للأنظمة العربية، ولكي نفهم المصالح الحقيقية الكامنة وراء ستار النزاعات الطائفية وتضخيم الخصوصيات المذهبية إلى أبعد الحدود كما يفعل الاستعمار دائماً، للحؤول دون توحيد الشعوب الواقعة تحت نيره.
■ برأيك، لماذا لم تتمكن العلمانية كشرط تاريخي لا يتنافى مع الدين، من تجاوز «الهاجس» الديني في الحياة العامة؟ فهل أن السبب «ثقافي» أو «جوهراني»، أم مرتبط بالصراع وأدواته؟
السبب ليس جوهرانياً. في كتابات عدة لي منها كتابي الجديد، أذكّر أنه جرى تأسيس حرية المعتقد والاجتهاد في النصوص الدينية المقدسة في كنف الحضارة العربية الإسلامية، حيث كانت كل الفِرق الدينية تُأوِّل القرآن الكريم برؤى مختلفة. مارس العرب الفلسفة بشكل كبير في حين كانت الأخيرة ممنوعة عقائدياً في أوروبا المسيحية، فالقول إنّ شيئاً «جوهرانياً» عند العرب يجعلهم Homo-Islamicus أي «كائناً إسلامي الهوية» حصراً، تُختصر كل شخصيتهم في هويتهم الدينية، كلام فارغ. أفكك هذه السردية باستمرار، معللاً السبب بانقلاب حضاري حصل داخل العالم العربي عندما ارتفعت أسعار النفط بشكل كبير للغاية، فصار للممالك في شبه الجزيرة العربية إمكانيات مالية ضخمة، واجهت بها المد القومي العربي والاشتراكي، خصوصاً في ظل قيادة جمال عبد الناصر في الخمسينيات والستينيات وحتى السبعينيات. لم يأخذ المد ذاك الطابع الإسلامي، مع أن العرب جميعهم، بمن فيهم المسيحيون، يعترفون بأن الحدث الأهم في التاريخ العربي هو النبوة المحمدية؛ فلا يمكن أن نبني على الأمر الأخير هوية «جوهرانية» لا تتغير عبر التاريخ.
غير أن تحالف الولايات المتحدة مع الممالك العربية التي كانت تخاف القومية العربية العلمانية التوجه، جعل هذه الممالك تنفق الأموال الطائلة للقضاء أولاً على تراث النهضة العربية، من الطحطاوي إلى طه حسين، أي على 150 سنة من تحرر العقل العربي وتفاعله مع التطورات العالمية، ولو أنها تطورات غلبت عليها الطابع الأميركي الأوروبي أسوة بالصينيين والفيتناميين والهنود، وشعوب عديدة في العالم. تم خلق خصوصية إسلامية بغرض استعمالها سياسياً، ويتم اليوم تصويرها بشكل زائف في دوائر الاستشراق ولدى بعض المثقفين العرب على أنها نوع من المقاومة أو الممانعة للعولمة أو للغزو الثقافي الغربي، وهذه أيضاً سردية نمطية تخدم مصالح التحالف الاستعماري والرجعية العربية. منذ أيام شبابنا، كان يُنظر إلى حراك الإخوان المسلمين على أنه مدفوع من المصالح الإنكليزية والأميركية آنذاك، فحدث صراع حاد بين الرجعية العربية الاسلاموية الطابع والقومية العربية التقدمية المنفتحة والمتفاعلة مع تطورات العالم التي كانت تحارب الاستعمار التقليدي معاً. هذا الصدام قد غيّر المشهد الثقافي والفكري العربي برمته، خصوصاً عبر هيمنة دول الخليج على وسائل الإعلام العربية والغربية والعالم الأكاديمي، بفضل امتداد شبكات الأموال النفطية عالمياً. اليوم، إزاء مشهد تنفيذ مؤامرة خارجية أميركية موثّقة بأياد عربية، بإثارة حرب أهلية بين السنة والشيعة في المشرق العربي، الحل الوحيد هو العلمانية.

■ تتحدث في كتابك الجديد ««نحو مقاربة دنيوية للنزاعات في الشرق الأوسط» عن أهمية الرجوع إلى قيم النظام الجمهوري والفكر العلماني بصيغته الفرنسية التي تتعرض للإضعاف و«الغزو» من قبل مفهوم التعددية الثقافوية على النمط الأنغلوساكسوني...
المسألة هي تنظيم الهويات المختلفة. في لبنان مثلاً، ينصب الفكر حول «التمايز الكبير» بين الطوائف اللبنانية، رغم تشاركها اللغة والعادات والموسيقى وحب المطربين أنفسهم وسائر الأشياء الجامعة التي تجعل اللبنانيين يشتركون بثقافة واحدة. لم يكن التمييز الطائفي والمذهبي بين اللبنانيين عفوياً أو جوهرانياً أبداً، بل كانت الانقسامات دائماً سياسية، لا طائفية. هناك في الغرب نظريات عدة مستوحاة من مشاكل دول تختلف تمام الاختلاف عن مشاكل الدول العربية. في كندا مثلاً، تكمن المشاكل في مقاطعة الكيبك بين الأنغلوفون والفرنكوفون، فضلاً عن مشكلة الأخذ في الاعتبار حقوق سكان البلاد الأصليين، كما في دول أميركا اللاتينية، أو مشكلة تنظيم العلاقة بين البيض والسود في أميركا عامة. أخذ بعض المفكرين العرب بهذه النظريات التي لا علاقة لها بأوضاعنا، وبكتابات المنظّرين أمثال شارل تايلور أو آرن ليبهارت لينظّروا «للديمقراطية التوافقية» التي طُبقت في العراق بعد الغزو الأميركي رغم مساوئها التي ظهرت بصورة جلية في لبنان! شكّل نظام الملل في السلطنة العثمانية الخلفية التاريخية التي سهلت العملية. حين كانت السلطنة في أوج قوتها وفي منأى عن التدخلات الخارجية الاستعمارية الطابع. حمى نظام الملل الأقليات المسيحية واليهودية والأرمنية واليونانية، وكذلك المسييحيين والهيود العرب. كان نظام الملل متقدماً، قياساً لوضع أوروبا في القرن الخامس عشر والسادس عشر، حيث لم يكن ثمة حماية لكل من لا ينتمي للكنيسة الكاثوليكية. غير أن ترهل نظام الملل وتحوله في لبنان إلى نظام طائفي بات يسمح بتوغل نفوذ الدول الاستعمارية عبر «حمايتها» لبعض الطوائف المنظمة بالقانون. ودائماً ما أردد في كتاباتي حول لبنان أن الأخير هو الوريث الأكبر لنظام الملل العثماني بشكله المنحط الذي تجاوزه الزمن، ما سمح للإنكليز والفرنسيين الذين تصارعوا في لبنان بجلب البلاء على الأخير، من الفتنة بين الموارنة والدروز (وأيضاً الفتنة في الشام بين بعض المسلمين والمسيحين)، وتقسيم جبل لبنان إلى قائمقامية درزية وأخرى مارونية بين 1840 و1860 وفشله في إقامة نظام المتصرفية وبعد ذلك إعطاء زعماء الطوائف دوراً أساسياً في إدارة الحكم تحت المراقبة المزدوجة لكل من الدول الأوروبية الاستعمارية والسلطنة العثمانية. هذه المبادرات المؤسساتية المفروضة من الخارج شّكلت ظاهرة تسييس الطوائف الذي نعانيه إلى يومنا الحاضر، وهذا التسييس كارثة كبرى تتعمم الآن في مجتمعات المشرق العربي. بالمقارنة، تم أيضاً تسييس الطوائف في الهند من قبل الاستعمار البريطاني. عندما أرادت الهند نيل استقلالها عن بريطانيا، بدأت الأخيرة بخلق التناقضات بين المسلمين والهندوس، وثمة كتابات هندية تصف كيف تمكنت بريطانيا من شطر الهند وخلق دولة باكستان على أساس من التشدد الإسلامي الكبير. ثمة قلة إدراك لهذه المواضيع، خصوصاً أنّ باكستان انشطرت إلى دولتين منفصلتين بعدما انفصلت عنها مقاطعة البنغال بعد حرب دموية، ما يؤكد أن الهوية القومية هي أقوى بكثير من الأممية الإسلامية.
يتمثل الغزو الفكري للتشدد الديني على طريقة سيد قطب والمودودي ومحمد عبد الوهاب، وقد صار موجة مسنودة بالإعلام وبشبكات من المال، تتوسع في كل القارات تقريباً، مسببة مشاكل أينما وجدت جماعات مسلمة. في الفيليبين وتايلاند وميانمار والصين والقوقاز والشيشان، مشكلة ما سميته «سلاح الدمار الشامل»، المتمثل في الشباب العرب، والآن من جنسيات أخرى أيضاً. تم تدريبهم من أجل إرسالهم إلى أفغانستان، وذهب جزء منهم بعدها إلى البوسنة، وجزء آخر إلى الشيشان والقوقاز، فأصبح هناك نوع من الجيش الإسلامي العابر للقوميات، يتم توظيفه من قبل تحالف باكستان/ السعودية/ الولايات المتحدة/ أوروبا. الجيش نفسه يدمر سوريا والعراق، ويمارس نشاطه التدميري أيضاً في اليمن وليبيا وغيرها. المخرج الوحيد من هذا الواقع هو تحييد الدين عن الصراعات، وهي كلها صراعات على المال والموارد الطبيعية والسلطة والجاه، ولا علاقة لله بكل هذه الأمور.

■ في السياق، ذكرت طرح الإسلام كهوية ممانعة للعولمة، وذكرت الإخوان المسلمين تحديداً
هذه سردية لا أؤمن بها. مثقفون كثر، من الأوروبيين والأميركيين والعرب ركبوا موجة الأموال النفطية، فتشكلت ظاهرة خطيرة جداً. في العالم غير العربي أو الإسلامي، انقسم الرأي العام تحت النفوذ الأميركي بالذات والدوائر الاستشراقية السياسية الأميركية إلى قسمين: قسم يدافع عن الحركات التكفيرية المسماة خطاً جهادية، فيقول إنها ظاهرة «طبيعية» بعد فترة الاستعمار الطويلة وبعد الحداثة التي «فُرضت فرضاً» على المسلمين من قبل النخب العربية الحاكمة بعد نيل الاستقلال، خصوصاً في ظل الدكتاتوريات الجمهورية الطابع التي يقال عنها أنها فرضت العلمانية على مجتمعات مؤمنة ترفضها تماماً، ما يستوجب التعاطف مع الحركات الأصولية الدينية أو حتى تأييدها، وهي سردية نمطية الطابع وغير مطابقة للواقع. وهناك قسم آخر من الرأي العام الغربي يكره الإسلام بشكل عام، نظراً إلى ممارسات التكفيريين، ويأخذ من تصرفاتهم حجة لكره الديانة الإسلامية وللمسلمين إجمالاً.
مارس العرب الفلسفة عندما
كانت ممنوعة عقائدياً في أوروبا المسيحية


■ يرى بعضهم أنّ الإخوان ظاهرة عولمية بامتياز، من ناحية نفيها للوطنية، وليس فقط القومية
بدأ نفي القومية في القرن التاسع عشر عبر إسلام تنويري، وليس وهابياً طالبانياً، على أساس أن مقاومة الهجمة الاستعمارية الأوروبية الشاملة الشرسة على كل ديار العرب والمسلمين تتطلب تكاتف المسلمين جميعاً، وكان هذا طرح الأفغاني بشكل خاص. كانت الموجة تلك تنويرية، لكنها كانت معادية للقومية العربية، على قاعدة أن العرب وحدهم لا يستطيعون التصدي للهجمة، فيجب أن يظلوا متكاتفين مع الأتراك العثمانيين. وعندما تولى السلطة ضباط «تركيا الفتاة» ونمت القومية التركية على النمط الحديث، صار الاتجاه المذكور في الفكر العربي في غير محله، فانهار الحاجز أمام صعود القومية العربية الوحدوية، ونمت التيارات العروبية الضخمة، كالناصرية والبعثية وحركة القوميين العرب التي عمّت العالم العربي كله تقريباً، حتى في المغرب العربي. كانت ردة الفعل، أو الثورة المضادة للقومية العربية، بالعودة إلى معاداة القومية العربية والقول بهوية إسلامية عابرة لحدود القومية والإثنية والثقافية، فبتنا اليوم نرى الشيشاني واليمني والصيني والتتاري يحاربون سوياً في سوريا والعراق.

■ يرى بعضهم انسجاماً تاماً بين الظاهرة الإخوانية والعولمة النيوليبرالية نظراً للشبكة الإخوانية المالية والتجارية، وتبني الإخوان الكامل بعد وصولهم إلى السلطة في مصر للنموذج الاقتصادي الذي يفرضه صندوق النقد والبنك الدولييَن
الإسلام السياسي صار معادياً للدول القائمة لأنه ــ بمخيلته ــ يريد دولة الخلافة. الأخيرة لم تكن تاريخياً تفرض قيوداً كثيرة على الحركة الاقتصادية، فقالوا بالحرية الاقتصادية والتجارية. ويجب ألا ننسى أن التجارة كانت تلعب دوراً كبيراً في التاريخ الاقتصادي للعرب، وكذلك الريع العقاري، أو نمط الإنتاج الخراجي، فالخراج كان ضريبة يفرضها الشرع الإسلامي على الحيازات الزراعية. أخذ «الإخوان» التقاليد القديمة هذه التي لا تتناقض بتاتاً مع النيوليبرالية، ومن هنا الإعجاب بالإخوان في أميركا خاصة.
■ تحدثت عن خوض معركة عامة للعودة إلى العصور الذهبية للحضارة الإسلامية، فهل يمكن أن تحدد لنا سمات تلك العصور، وإذا ما كان الأمر ممكناً أصلاً، نظراً لاستخدام الإسلام السياسي بشكل ثقيل اليوم لتدمير كياناتنا وبُنانا الدولتية ومجتماعتنا؟
لا أقول بالعودة وهي طبعاً مستحيلة بل أعود لأتكلم بإسهاب عن أنّ انقطاع الذاكرة عند العرب والمسلمين هو انقطاع مزدوج، أي نسيان الجو العلمي والعقلاني الذي كان سائداً في العهدين الأموي والعباسي، وحتى زمن إبن خلدون، وأيضاً نسيان فترة النهضة التي أسسها الطحطاوي، وأعمال الأخير هي خارقة كما أعمال العديد من رواد النهضة العربية الحديثة. أعمال طه حسين خارقة فكرياً أيضاً. تم اتهام هؤلاء بأنّهم كانوا خاضعين للاستعمار أو الغزو الثقافي الغربي، وهم بحاجة لإعادة الاعتبار. كان الطحطاوي يقول إنه رأى مسلمين كثيرين في أوروبا، فالإسلام عنده يرمز للإبداع والعلم والعقلانية، وهو الأول الذي بدأ بإستعمال كلمة «وطّن» وكلمة «المواطن» التي دخلت اليوم القاموس العربي. نادى الطحطاوي بالمساواة الكاملة بين المسلم وغير المسلم في مصر، وطالب بتعميم التربية حتى للمرأة، وكان تاريخ حياته بحد ذاته ملحمة: شاب عمره 25 سنة متخرج من الأزهر، ليس عنده غير الأخير كتعليم تقليدي ديني، يترأس بعثة إلى فرنسا ويتعلم لغتها ويتملك فلسفة الأنوار فيها وروائع أدبها، ويعود ليوطّن أفكار التنوير الرئيسية. قال الطحطاوي إن الإسلام أيام الازدهار لم يكن بعيداً مما تفعله الممالك الأوروبية. أسس لجنة للترجمة ومكتبة وطنية في مصر، ويجب أن يكون له تمثال في كل مدينة عربية! سلسلة من الأزهريين الكبار، الطحطاوي وأحمد أمين وعلي عبد الرازق وطه حسين كانوا يتأففون من الأزهر، ومن القيود الإتباعية والسكون الحضاري الذي كان مخيماً، فأسسوا مناخاً من الحرية الكبيرة في العالم العربي. حتى عندما كان هناك خلاف في ذلك الحين بين الجهات الفكرية المتشددة إسلامياً وبين تلك المنفتحة إسلامياً، كان الحوار حضارياً، ولم تكن ثمة فتاوى تكفير. كتاب علي عبد الرازق، «الإسلام وأصول الحكم»، تم توقيفه وإحراقه، ثم عاد وصدر بطبعات عدة في مصر وغيرها من البلدان العربية. صار هؤلاء الأزهريون يُتهمون بأنهم عملاء الاستعمار. فتح محمد عبده باب الاجتهاد بشكل ثوري، واتُهم بأنه عميل اللورد كرومر. تجب إعادة الاعتبار إلى هؤلاء الرواد، كما إلى فترة ازدهار الحضارة الإسلامية والمكون الفلسفي العظيم فيها. كانت الحضارة العربية الإسلامية الأكثر تطوراً علمياً حينها على مستوى العالم، وكانت اللغة العربية لغة كل أصحاب العلم في العالم الإسلامي؛ فلنستذكر هذه الأشياء باستمرار. تكمن المشكلة الكبيرة في أننا واقعون تحت تأثير الإشكاليات الغربية: حتى قضية فصل الديني عن الزمني استوردناها من أوروبا كما هي، من دون أن ندري أنها ناتجة من خصوصية المسار التاريخي الأوروبي، حيث الكنيسة الكاثوليكية كانت متحكمة بكل شيء. لم يكن الوضع كذلك في العالم الإسلامي. كتاب «الملل والنحل» للشهرستاني يتحدث عن العديد من الطرق والمناهج لتفسير القرآن الكريم. المشكلة أساساً في حرية التعامل مع النص المقدس، وهي أم الحريات. ذكرتها مراراً وتكراراً، إذا لم تكن ثمة حرية في التعامل مع النصوص المقدسة، لا يمكن التأسيس للحريات العامة في أية دولة. تمت إعادة إقفال باب الاجتهاد بعدما فتحه محمد عبده، وكان عبد الناصر قد أكمل الدرب، فيما أدخل شيخ من الأزهر، خالد محمد خالد، اتجاهاً اشتراكياً في الاجتهاد حول القرآن.
تحت التأثير السعودي الوهابي، أعيد إقفال باب الاجتهاد، وصار أي نوع من الاجتهاد الجديد خارج المذهب الحنبلي الوهابي لمراعاة مقتضيات العصر يُعتبر بدعة خطيرة، وحدثت اغتيالات في هذا السياق: اغتيل فرج فودة في مصر، وكان فقيها مسلماً كبيراً. لم يتم في الماضي اغتيال علي عبد الرازق، رغم إدانة كتابه الشهير من الأزهر، فكانت إدانة ظرفية، وجرى تداول كتابه على نطاق واسع لاحقاً. وشُنِق محمود طه في السودان أيام (جعفر) النميري. وأُجبر نصر حامد أبو زيد على تطليق زوجته والخروج من مصر. صار الفكر التنويري ملاحقاً، وبات أي إنسان يغامر بالفكر التنويري يعرّض نفسه لفتوى تحلل دمه.

■ بالعودة إلى قيم النظام الجمهوري على أساس الفكر العلماني، مَن يبني الجمهورية، وكيف؟
لا، قلت القيم الجمهورية، قيم الحرية الإنسانية. أنا أستعمل كلمة القيم الجمهورية بمعنى الإنسانوية على أنها أساس الحرية الإنسانية، وأعتبرها أساساً في الدين المسيحي كما في الدين الإسلامي، وحتى في الدين اليهودي. لي مقالات قديمة تحاجج أن الإسلام والمسيحية ديانات علمانية الطابع. هناك توظيف سياسي مدمر لهذه الديانات، وإذا عاد شخص ما إلى كلام المسيح، الذي كان انساناً ثورياً لكن مسالماً ومعادياً للعنف، يرى كيف بُنيت جيوش باسمه، وتم غزو دول وأبيدت الشعوب في أميركا الجنوبية ثم الشمالية. أما الإسلام فقد شرّع بدقة لمنع المجازر العمياء في الحرب. أما المشهد اليوم في دولنا فهو غير إسلامي، بل معاد للإسلام، ذلك أن الحركات الإسلامية المسلحة نست أن الإسلام دين الرحمة. المسيحية دين المحبة، والإسلام دين الرحمة. المشاهد التي نراها معادية للدين الذي تُرفع رايته فوق أعمال وحشية، ما يسيء إلى صورة هذه الديانة إساءة بالغة على الصعيد العالمي.

■ هل يمكن إرساء قيم النظام الجمهوري والفكر العلماني من دون المؤسسات، أي هل يمكن إرساء قيم النظام من دون النظام نفسه ومؤسساته التربوية والناظمة؟
بالطبع لا. الأمر بحاجة إلى المؤسسات. في النظام الإيراني قيم جمهورية، لكنها تحت مراقبة الفقهاء. المؤسسات ضرورية بالتأكيد، خصوصاً التربوية. بدأ إنشاء المؤسسات حين أقام جمال عبد الناصر و«البعث» في سوريا شبكة واسعة من المدارس الرسمية، وكذلك في عهد فؤاد شهاب في لبنان، كان يُفترض أن تنشر المدرسة الرسمية قيم الحرية والجمهورية. لكن مع نمو أعداد السكان بشكل هائل، والمشاكل المالية في الدول غير النفطية، صارت الجمهوريات تتكل على مساعدات دول الخليج، فبدأ يدخل في البرامج التعليمية النظرة الدينية المقفلة للديانة الإسلامية.

■ بل وبدأت الدول تلك تدعم وتعفي المؤسسات الدينية... هل يمكن بناء هذه المنظومة التربوية من دون حركة سياسية تحمل المشروع؟
بالطبع لا. نأتي هنا إلى إشكالية الانتفاضات العربية، وهي حركة جماهيرية جديدة في تاريخ الثورات، ثورات من دون قيادات حزبية، والأمر يشكل سابقة في العالم الحديث. ما حدث هو حركة عفوية كبيرة اعتبرتها إعادة تكوين للوعي الجماعي العربي، ولكن أتت فوراً ردة الفعل الرجعية العربية التقليدية بالتحالف مع حكومات الدول الغربية لتضرب هذه الحركة. بطبيعة الحال عندما أُجريت الانتخابات، كانت الأحزاب الإسلامية أكيدة من الفوز، نظراً إلى إمكاناتها المادية وشبكات الأعمال الخيرية المتوغلة في الفئات الشعبية والمهمشة، بينما لم يكن للتيار الليبرالي والقومي والتقدمي مثل هذه الإمكانيات، فضلاً عن مشاكله الكبيرة، فالعديد من المثقفين العرب يتحدثون اليوم لغة الغرب، وهم غربيو الهوى، ينطقون باللغة العربية! تركيبة عقلهم غربية، والكلام النظري على الديمقراطية يبقى نظرياً.
أخذ «الإخوان» التقاليد القديمة
التي لا تتناقض مع النيوليبرالية، ومن هنا الإعجاب بهم في أميركا

ذلك أن الديمقراطية تأتي وتترسخ بعد مسار طويل من التغيير في البنية الاجتماعية، وليست الديمقراطية هي التي تغيّر هذه البنى، بل يمكن لها في دول لم يتم فيها التصنيع والتقدم العلمي والتقني أن تكرس حكم البلوتوقراطية، أي حكم الأقلية الثرية، مع مظاهر الديمقراطية من دون حقيقتها. والجدير بالملاحظة في هذا الشأن أن الديمقراطية تفقد اليوم عملياً بريقها في العالم، وتفقد الممارسة الجمهورية الحقيقية، لأن دور المال المتحالف مع رجال السياسة والمسيطر على وسائل الإعلام في الحياة السياسية يهدم النظام الديمقراطي في أعرق الديمقراطيات في العالم.
■ هناك كلام للرئيس عبد الناصر يقول فيه إن إجراء انتخابات «ديمقراطية» في مصر قبل إحداث تغييرات جدية في الحقائق الاجتماعية الاقتصادية هو عملياً فتح الباب لعودة النظام القديم وتكريس حكم الأقلية المستأثرة بالثروة
هذه قضايا كُتب عنها الكثير من الكتابات القيمة، ككتابات ياسين الحافظ ومهدي عامل. هناك كتابات نقدية عربية عديدة طُمست تماماً، وانكسر نهجها، لأن الجيل الذي عاصر انهيار الاتحاد السوفياتي وإقامة الثورة الإيرانية انخرط بصحوة إسلامية، على الطريقة السعودية أو الإيرانية، لكسب مراكز نفوذ وجاه في مجتمعاتهم.

■ شرط الديمقراطية، إذا كنا لا نزال نعتبرها هدفاً...
الديمقراطيية نتيجة تحول اجتماعي، نتيجة حداثة، مسار تاريخي، هي نتيجة وليس الأساس. هناك اليوم مساع لإقامة ديمقراطية تشاركية على جميع مستويات الحياة السياسية والاقتصادية، وكانت المناضلة التقدمية البارزة نوال السعداوي من أوائل الداعين إليها.
■ أي قوى اجتماعية تصنع هذا التحول، وكيف؟
هذه مشكلة كبيرة. في العالم العربي، يسيطر الريع على الحياة الاقتصادية. حتى إذا لم يكن لديك نفط، فكل الاقتصاد العربي مبني على الريع الذي تتحكم به نخبة قليلة تتحلق حول الحاكم، لا بنى إنتاجية في نظام بن علي أو نظام مبارك أو أنظمة الدول النفطية، بل فقط مستفيدين من فتات الريع الذي توزعه الدولة. حتى النظام السوري كان نظاماً ريعياً. ولهذا تعرّض في نهاية الأمر لهذه الهزة الأليمة التي استفادت منها العديد من القوى العربية والإقليمية والدولية للتدخل الفاضح.

■ وتفاقم هذا الاتجاه بعد عام 2000؟
إشكالية الانتفاضات العربية أنّها
ثورات من دون قيادات حزبية، ما يشكل سابقة في العالم الحديث
نعم، تفاقم مع النيوليبرالية، لأن صندوق النقد والبنك الدوليين نجحا في فرض «التحرير» الاقتصادي بشكل عشوائي، وأدى ذالك إلى إلغاء المكاسب الاجتماعية القليلة التي كانت لدى الجماهير، والقضاء على دعم المواد الأساسية، و إجراء الخصخصة التي تذهب إلى شركات متعددة الجنسيات، بالشراكة مع الوجاهات المحلية القريبة من الحكم، وقلة إنفاق الدولة على الشؤون الاجتماعية، والانفتاح التجاري غير المدروس الذي أدى إلى تدمير القطاعات الإنتاجية... وإذا قرأت تقارير صندوق النقد الدولي لعام 2010 حول سوريا والمغرب وتونس، فكانت كلها تشيد بـ «الإصلاحات» الاقتصادية!

■ شهدنا تدميراً نيوليبرالياً ممنهجاً في لبنان-الطائف وسوريا لا سيما بعد عام 2000؛ بدأت هذه النيوليبرالية، التي تسميها عقيدة شبه دينية أو ميتافيزيقية، مهمة التدمير قبل الحرب في سوريا، وكانت تقوم بالتدمير منذ بداية التسعينيات في لبنان، ونرى الآن أن المشاريع المطروحة لإعادة الإعمار لا تخرج عن إطار هذه العقيدة...
بطبيعة الحال، الإعمار في سوريا، إذا حصل، سيكون على طريقة لبنان ومناطق أخرى من العالم؛ وكتبت الصحافية الكندية المشهورة ناومي كلاين عن رأسمالية المأساة المستغلة للصدمات والكوارث (حروب، فيضانات). هذا المنحى جزء من التيار الجارف، لكن التيار هذا بدأ يضعف رويداً، لأن ثمة جماهير أوسع، وأيضاً عناصر أو أشخاص من النخبة الحاكمة، ينتقدونه بشدة عندما يخرجون من الحكم: ستيغليتز مثلاً أو فردريكو مايور، ومن دون نسيان تشومسكي... حتى إذا نظرنا إلى «إسرائيل» كجزء أساسي من العقيدة الغربية السياسية والعسكرية، ففيها شخص مثل شلومو ساند، له ثلاثة كتب متعاقبة، أحدها ضد أسطورة الشعب اليهودي والآخر ضد أسطورة أرض اليهود، والثالث حول «لماذا لم أعد يهودياً». تشهد هذه الكتب رواجاً، من دون أن يُدان أصحابها كما في السابق، عندما كان أحد من «الإسرائيليين» أو اليهود الأميركيين أو الأوروبيين ينتقد ممارسات دولة «إسرائيل» بشدة. نجد اليوم أن الانتقاد كبير للغاية، وليس هناك إلا حكام في أميركا وأوروبا لديهم صنم اسمه «إسرائيل»، يتمسكون به بشكل غير عقلاني!

■ على ذكر الكيان الصهيوني، يقول كُتّاب كنعوم تشومسكي وإسرائيل شاحاك وإيلان بابيه إن الكيان صنيعة الاستعمار، وظيفته كانت وما زالت الحفاظ على مصالح الغرب الرأسمالي الاستعماري عبر منع التغيير وضرب محاولاته في المحيط العربي، فكيف ترى هذه المسألة في إطار علاقات «شرق»- «غرب»؟
ليست الظاهرة الصهيونية استعمارية فقط. الجيوش الاستعمارية كانت دائماً ذات قدرة ذاتية كافية. أنا حاججت أن هناك مستويين للظاهرة الصهيونية، المستوى الاستعماري، والظاهرة البروتستانتية المتشددة، التي فيها قضايا لاهوتية، كأهمية عودة اليهود إلى فلسطين كشرط لعودة المسيح وخلاص البشرية. المستويان تشابكا، ليس فقط الاستعمار، وهو موجود بقوة، لكن ما يفسر هذا التمسك بـ «إسرائيل»، وهي عبء اليوم على الدول الغربية نفسها، هي العقيدة البروتستانتية المتشددة التي كانت وراء غزو أميركا الشمالية باعتبارها أرض ميعاد جديدة موعودة من الخالق، ما يفسر هذه الصبغة الدينية القوية في القومية الأميركية، والتي تجعل العقيدة تؤيد بقوة عودة اليهود إلى أرض الميعاد الأصلية، أي فلسطين، وإعادة غزوها واستيطانها بالعنف وإبادة السكان الأصليين، بمباركة إلهية كما هو مذكور في العهد القديم عندما نقرأه قراءة حرفية، بدلاً من القراءة الرمزية.