الرحلة بين شطرَي مدينة حلب طويلةٌ ومُضنية. منذ أُغلق معبر بستان القصر الشهير بات لزاماً على الراغب في الانتقال من الأحياء الغربية إلى نظيرتها الشرقية (الواقعة تحت سيطرة المسلحين)، أو العكس، أن يقطع مسافة تتجاوز مسافة السفر بين محافظتين. يستقل المسافر سيارة من مدخل حلب (دوّار الموت)، تنطلق به عبر الراموسة إلى السفيرة في الريف الجنوبي الشرقي، ثم إلى خناصر، فأثريا، قاطعاً مسافةً تقارب مائتي كيلومتر.


ثم تبدأ الرحلة داخل مناطق نفوذ «داعش» في الريف الشرقي المحاذي لريف الرّقة. وتعاود الدخول إلى حلب من بوابتها الشرقية. تستغرق الرحلة في المجمل زمناً يتراوح بين ثماني وعشر ساعات. في الأحياء الشرقية يبدو كلّ شيء مختلفاً. مشاهد الخراب هي القاسم المشترك بين معظمها. الزحمة اللافتة للنظر في الأحياء الغربية يقابلها هنا شبهُ خواء في بعض المناطق. أحياء كثيرةٌ باتت شبه خاليةٍ من السكان، مثل مساكن هنانو، والحيدريّة، خلافاً للأحياء البعيدة نسبيّاً عن «خطوط التماس»، مثل باب النيرب، الفردوس، المعادي، جسر الحج، الكلاسة، وبستان القصر.

في انتظار الحصار

«المجاهرةُ بكونك صحافياً تبدو هنا مقامرةً خاسرة، سيكونُ من الأفضل الاعتماد على بطاقتك الشخصية التي تؤكد أنك واحد من أبناء أحد هذه الأحياء»، يقول محمّد، أحد الناشطين المدنيين القلائل المتبقين داخل هذه الأحياء. يتراوح عدد السكان الباقين في هذه الأحياء ما بين 400 و450 ألفاً وفقاً لأدقّ الإحصائيات المتوافرة. وتنتمي الغالبية العظمى من هؤلاء إلى الطبقة الفقيرة. توقن معظم المجموعات المسلحة الباقية هنا بأن حصار الجيش السوري لها هو أمر حتمي، الأمر الذي يتوقعه السكان أيضاً. يُقدّر عدد المسلحين بحوالى ثلاثة آلاف، يتناقصون باستمرار نتيجة انسحابهم خارج طوق الحصار المتوقع. ويتوزع انتماء معظم هؤلاء على «حركة أحرار الشام الإسلامية»، و«ألوية استقم كما أُمرت»، و«حركة نور الدين زنكي»، و«لواء التوحيد»، و«جيش المجاهدين»، و«جبهة النصرة». نسبة أبناء مدينة حلب بين تلك المجموعات ضئيلةٌ جدّاً. ثمّة مسلحون كُثرٌ من أبناء الريف، وآخرون من إدلب وريفها، إضافةً إلى خليطٍ متنوع يضمّ عدداً قليلاً من «المهاجرين»، علاوةً على بعض المجموعات المحلية الصغيرة، مسلحوها هم شبّان من سكان الأحياء الشرقية، ويُقدّر عددهم بحوالى 500. يشكل هؤلاء مجموعات صغيرةً عدد أفرادها بين 15 و20، ويقوم معظمها بفرض أتاواتٍ على من تبقى من السكان، ونهب البيوت الفارغة. كذلك يؤكّد محمد أن بعض المجموعات دأبت على «الحفر في أحياء المدينة القديمة، والنزول داخل الآبار القديمة المهجورة، بحثاً عن كنوز قديمة وآثار».

الكهرباء الحكومية جيّدة!

من المفارقات اللافتة أن ساعات التغذية بالتيار الكهربائي عبر الشبكة السورية الرسمية تزيد عن نظيرتها في الأحياء الغربية، وذلك بسبب انخفاض الضغط السكاني، وقلة الاستهلاك. تتراوح فترة التغذية اليومية بـ«الكهرباء الحكومية» بين 6 و8 ساعات يومياً. كذلك، تبدو حال مياه الشرب أفضل من الأحياء الغربية، حيث تتحكم «جبهة النصرة» في ضخ المياه إلى الشطرين، وتخصّ الأحياء الشرقية بكميات مضاعفة. ويجري ضخ المياه عبر محطة سليمان الحلبي، لتغذي ثلاثة خزانات رئيسية هي باب النيرب، وكرم الجبل، والحيدرية. المحروقات متوافرة، ولكن أسعارها ارتفعت أخيراً، في ظل انخفاض الوارد «الداعشي». فبات ليتر البنزين المكرر يباع بـ320 ليرة سورية، وليتر المازوت بأكثر من 200 ليرة، ما يؤدي إلى ارتفاع في أسعار معظم السلع.

واقع صحي وتعليمي سيّئ

مشكلات القطاع الصحي كبيرة، إذ لم يبقَ من المشافي العاملة سوى ثلاثة، مشفى زرزرو في حي السكري، ومشفى عمر بن عبد العزيز في حي الصالحين، ومشفى صغير مجاور لمشفى دار الشفاء (الخارج عن الخدمة) في حيّ الشعّار. تُسجل «منظمات الإغاثة» وجودها على الأرض عبر مجموعات صغيرة، بعضها مقيم، وبعضها يتنقل في شكل وفود وقوافل قادمة بين حينٍ وآخر من تركيا، وتوزع معونات إغاثية على السكان، ويتقاسمها معهم المسلحون. أما في قطاع التربية والتعليم، فثمة بعض المدارس التي تعمل تحت إشراف «المجلس المحلي»، وبتمويل من «الائتلاف» السوري المعارض، إضافة إلى بعض المدارس التي تدرس «العلوم الشرعية» وهي تابعة للكتائب «الإسلامية».
وبالمجمل، فإن نسبة الأطفال الذين يتلقون تعليمهم لا تتجاوز 20 في المئة من عدد الأطفال الموجودين داخل الأحياء الشرقية.
يدير الأمور الخدمية «المجلس المحلي الحر»، ومقره في حي الشعّار. وتتبع له مكاتب «النظافة»، و«ترحيل القمامة»، و«المكتب الصحي للتلقيح»، و«مكتب الدفاع المدني» لانتشال الضحايا من الأبنية المنهارة، من جرّاء استهدافها بالقذائف والبراميل. أما «جبهة النصرة» فتفرض سيطرتها على الماء والكهرباء عبر ما يسمى «الإدارة العامة للخدمات».