استحضار عالِم الدين، الحاضر الغائب عبد الله العلايلي (1914 ــ 1996) ضمن الندوة التي تقيمها «دار نلسن» و«اتحاد الكتاب اللبنانيين»، و«دار الندوة» اليوم في مقر الأخيرة في مناسبة مئويته، يأتي في أزمنة عربية يسودها نهج الإلغاء باسم الإسلام. مع رحيل القامات العلمية، شهد العالم العربي تراجعاً على مستوى النقد في الدين والاجتماع والسياسة والثقافة. إننا نعاصر حلقة من الفراغ مع غياب الأعلام المبدعين. فراغ سيرافقه ضمور في الأطروحات النقدية، خصوصاً تلك المرتبطة بمقارعة الخطابين الديني والسلطاني.


عبد الله العلايلي فقيه الأزمان، الشيخ المجتهد المجهول، لو كان بيننا اليوم في حقبة الهزائم والقحط العربي لتصدّر الأصوات المطالبة بإعادة الإسلام إلى رشده بعدما استولى عليه فقهاء السلطان. لم يكن علّامتنا ومعاصرنا رجل دين عادياً. انشغل في مجال الإصلاح الديني والتحديث إلى جانب عبقريته الفذة في مضمار فقه اللغة. قلة قليلة من رجال الدين اليوم توازي العلايلي جرأةً ونقداً واجتهاداً. رأى أنّ التحديث في البنى الاجتماعية لا بد من أن يرافقه التجديد في مناهج الشريعة الإسلامية التي كان يسميها "الشريعة العملية". خدم شيخنا ـــ كما خلص المؤرخ وجيه كوثراني ــ الحداثة العربية في مجال اللغة، وحاول أن يخدم الحداثة الإسلامية أيضاً في مجال الشريعة الإسلامية.
عبد الله بن عثمان العلايلي المولود في بيروت عام 1914 أواخر أيام السلطنة العثمانية، تعلم في كتاتيب العاصمة والتحق بمدرسة الحرج التي أسستها "جمعية المقاصد الإسلامية"، حيث تلقى مبادئ القراءة والعلوم. ذهب عام 1924 إلى جامعة الأزهر لمتابعة دروسه حيث تتلمذ على أيدي نخبة من العلماء اقتفوا أثر الإمامين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في مسائل كثيرة، خصوصاً الإصلاح الديني. بعد تخرجه عام 1936،

انشغل في الإصلاح الديني والتحديث إلى جانب عبقريته الفذة في مضمار فقه اللغة
انتسب في العام التالي إلى كلية الحقوق في القاهرة. اضطر بعدها إلى مغادرة مصر بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية. إثر عودته إلى لبنان، مارس التدريس في الجامع العمري الكبير لثلاث سنوات.
في الثانية عشرة من عمره، أصدر "سورية الضحيّة" أو "سموّ المعنى في سمو الذات" (1926). لم تنحصر اهتماماته في فقه اللغة، بل تخطاها هذا الموسوعي إلى محراب التجديد الفكري، كأنه قادر في عصرنا على مخاطبة كل أجياله بلسان صدق ونقد عقلاني لا يُوارب. في عام 1945، درس في دار الفتوى (بيروت) وأصدر كتابه السياسي القومي: "دستور العرب القومي" متبارياً في ذلك مع رواد الفكر القومي العربي أمثال ساطع الحصري، وقسطنطين زريق. عام 1952، عمل في جامعة الدول العربية مستشاراً في لجنة اجتماعية مختصة بموضوع "الزكاة في الإسلام"، فنوّه إلى أن الزكاة مصطلح يوناني (دكاة) معناه العُشر، وهو معرَّب قبل الإسلام. كلفه الرئيس فؤاد شهاب (1902ـ 1973) وضع "المعجم العسكري" للجيش اللبناني، وجرى عربياً اعتماد 80 في المئة من مفرداته الاصطلاحية. في عام 1945، شارك العلايلي في تأسيس "الحزب التقدمي الاشتراكي"، إلى جانب كمال جنبلاط. اطلع على الأفكار الماركسية فلقب بـ"الشيخ الاحمر".
وضع مؤلفات عدة في فقه اللغة والإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي، منها: «مقدمة لدرس لغة العرب؛ مدخل إلى التفسير».لعل النتاج الأهم الذي برز عند العلايلي إلى جانب ألمعيته في اللغة، الاجتهادات التاريخية والفقهية التي قدمها في كتابه "أين الخطأ" (1978) الذي سحب من التداول ونُشر من جديد عام 1992. تضمن العمل مسائل عدة بينها: مفهوم الثروة، تحريم الاكتناز، والتكافلية التعاونية، والربا، وتوزيع الأضاحي. وكان له رأيه أيضاً في الزواج المختلط، فكتب حول هذا الموضوع مقالاً تحت عنوان: "أطوطميون أنتم أم فقهاء".
دعا إلى ضرورة الاجتهاد في الإسلام. نهضت دعوته منهجياً على مبدأين: إحياء لاجتهادٍ مبتكر، ومفهوم جديد للوحي. في مقالٍ له نشرته صحيفة "النهار" عام 1992، كتب: "إن الإبداع عطاء الفرد، والتطور عطاء الجماعة. إن الأفكار الكبرى في التاريخ عطاء أفراد، وتغيير المجتمع عطاء جماعة. قبل الثورة الفرنسية، كان فولتير شخصاً، وروسو شخصاً، وغيرهم أشخاص أبدعوا أفكاراً. إنه فكر أفراد. وتظل الأفكار كذلك إلى أن تتبناها الجماعة فتصبح ثورة، أي تطوير. عندما يظل فولتير فولتيراً، يكون فرداً مفكراً. عندما تصبح الجماعة فولتيرية، يكون التطور". سجل العلاّمة اجتهاداته في قراءة التاريخ الإسلامي أيضاً حيث تبلورت في مؤلفات عدة، ولا سيما "مقدّمات لفهم التاريخ العربي". أمضى سنواته الأخيرة في مكتبته وغادرنا عام 1996 تاركاً إرثاً علمياً قلّ نظيره. العلاّمة المكتنز بالعلم والمعرفة، المتبصر بعين العقل والثري بإنسانيته، هل يتعظ من تجربته الرائدة فقهاء العصر وتجار الدين والإنسان؟

مئوية الشيخ عبد الله العلايلي: 18:00 مساء اليوم ــ «دار الندوة» (الحمرا)