باريس | هل قرأتم مثل باتريك موديانو (1945) أنّ الحُجاج الذين كانوا يذهبون إلى مكة، كانوا يتكدّسون في عنابر السفن المليئة بالجرذان، وكانوا يستفيقون أحياناً وقد فقدوا أحد أصابع أيديهم أو أقدامهم لأنّ هذه القوارض التهمته من دون أن يشعروا بذلك، بسبب الخاصية المخدّرة الموجودة في لعابها؟ ألا يحصل أننا نعاني من هجوم جرذان ذهنية لها نفس القدرات؟ يصرخ موديانو برعب متزايد، ويؤكد في كل مرة أنّها تهاجمه فعلاً ولا شيء يحميه من التهامها الخفي للذاكرة سوى الكتابة.



مشغول البال بالزمن الذي يمضي والفقدان الذي لا ننتبه إلى أضراره إلا بعد انقضاء الأمر. صنع لنفسه ضماداً حميماً بالعودة إلى صور الماضي المظلمة ليعيد تقطيعها لأن «الأغبياء هم الذين ينتظرون تحت الشمس أو تحت كشافات الضوء القوية، ولم يتعلّموا بعد النظر في الظلام». كتابه الجديد «كي لا تتيه في الحي» (دار غاليمار) الذي صدر في بداية الشهر الجاري، يأخذنا في رحلة تحرّ إلى الخمسينيات ويحوم حول ذكريات طفل صغير محاط بشخصيات مريبة، يتماهى معه الكاتب عبر شظايا من سيرته الذاتية.
بسبب هذه التحقيقات التي تستهلكه، يجد موديانو نفسه أحياناً في وضع هشّ لأنه يُظهر على الملأ الأشياء التي اعتاد أن يحميها. «أكون في هذه الحالة أشدّ عرياً من العري، ولا أعي ذلك بسبب فيض الثقة والاسترسال اللذين تفترضهما الكتابة». لكنه يعود في طبعات لاحقة لينقّح ويخفي المقاطع التي تحرجه، وهو ما حدث مع روايته الأولى «ساحة النجمة» التي غابت في طبعتها الجديدة فقرات كاملة. لكن الإهداء بقي ثابتاً، كما في كلّ رواياته التي تجاوزت الثلاثين: «إلى رودي موديانو»، أخوه الأكبر الذي لم يشف أبداً من فقده، عاش شبحاً له، منتحلاً اسمه وتاريخ ميلاده لسنوات طويلة. ليس غريباً إذاً أن تكرم الأكاديمية السويدية صاحب «مستودع الذكريات» بفضل «فن الذاكرة الذي عالج من خلاله المصائر الإنسانية الأكثر عصياناً على الفهم، وكشف عالم الاحتلال».

كتابه الجديد، الذي صدر هذا الشهر، شظايا من سيرته الذاتية

فضاءات موديانو السردية تدور حول مجموعة من الوثائق يستخدمها كمادة لبناء مركّب. إذ لا بدّ لكل قارئ من أن يصبح رغماً عنه مثل الشاهد اليقظ على شخصيات تبحث باستمرار عمّا يمنحها نتفاً من هوية محددة. تنهل أعماله من الخلفية الاجتماعية لباريس خلال الحرب العالمية الثانية ، لكن الحرب لا تغدو أبعد من ظرف حياتي، تفصيل "مطوَّل" تضطر الشخصيات إلى أن تختبره. الحرب هنا مجردة أو منزوعة من دلالتها، موظفة بشكل دقيق ومثير للاهتمام، فهي أولاً ليست حرب التراجيديات، ولا البكائيات، ولا التفجع، ولا التشوه. هي حرب تساهم في تشكيل محيط الأبطال، فتدخلهم في متاهات شخصية. في «دولاب الطفولة» ( 1989)، «سيرك يمر» (1992)، «أبعد من النسيان» (1994)، تحتلّ الذاكرة حيزاً واضحاً، مثل مجموعة انعكاسات في مرآة متموجة، تثب وتسبح أمام عيني القارئ، تجرحه لأن كل شيء ينتمي بصورة ما إليه، يشكّل جزءاً من القصة المطوية داخله. وليس هناك في ما يتعلّق بالشخصيات إلا القليل مما يمكن أن نتوقف عنده. هم أناس عاديون من نوعية الوجوه التي تصبح خفية في أي زحام. لكن اللغة التي توحي، تقترح، تهمس، تفكّك، وتشحن ما هو متوقع بمعان غير متوقّعة، تجر المخيلة إلى تتبع إشارات يقدمها الكاتب بأدنى تفاصيلها وأتفهها. هذه الحياة العنيدة التي ينتزعها من اليومي بنثر غنائي حزين، هذه الحميمية التي تغدو فجأة مشبوهة، تحتكّ بطفولة بائسة وأب غائب. يقول: «ولدت فوق كومة من الجثث والأنقاض لأب يهودي وأم فلمنكية التقيا في باريس زمن الاحتلال». نعم، لكن الأب كان متورّطاً في السوق السوداء والصيدليات الألمانية المشبوهة والأم ممثلة في مؤسسة Continental-Films النازية. لسنوات طويلة، كان يلتقي أباه المتنكّر في محطّات المترو، ليتبادل معه كلمات مقتضبة، قبل أن يقرر بعد لقاء قاس وضع حد لهذه العذابات ويسمع بموته في ظروف غامضة.
هل تخطت الجائزة حقاً فيليب روث وتوماس بينشون للمرة الثانية لينالها كاتب النقصان والحبّ الصعب؟ تطلّعت العيون بعطف واهتمام لهاروكي موراكامي، وإلى المحققة الصحافية البيلاروسية سفيتلانا أليكسيفيتش ولا يزال الذهول مخيماً بعدما تكهنت شركة «لادبروكس» البريطانية للمراهنات بأن فيليب روث هو الأوفر حظاً هذا العام.
«الماضي بلد غريب» كما تقول العبارة الاستهلالية الشهيرة لرواية ل. بي. هارتلي، وقد فعل باتريك موديانو ما بوسعه كي لا يبقى كذلك.





بلغة الضاد


يعرف قراء الضاد باتريك موديانو من خلال تعريب رواياته «شارع الحوانيت المعتمة» (سلسلة روايات «الهلال»، ترجمة محمد عبد المنعم جلال ــ 2009)، و«مجهولات» (ميريت ــ ترجمة رنا حايك ــ 2006)، و«مقهى الشباب الضائع» (الدار العربية للعلوم ناشرون ــ ترجمة محمد المزيودي ــ 2009)، و«الأفق» (منشورات «ضفاف» و«الاختلاف» ـــ ترجمة توفيق سخان ـ 2014)