يصعب تأطير رواية شربل داغر»بدل عن ضائع» (دار الساقي) في متن حكائي مركزي. هنا تتناسل الحكايات وتتشابك وتفترق، كما يحدث في «ألف ليلة وليلة»، كما تتناسل الجغرافيات المرتحلة تبعاً لشهوة الحكي. الراوي الذي يعمل في إعداد ملفات متخصصة في دار للنشر، من دون أن يضع اسمه على ما يكتب، يبدو للوهلة الأولى ضحية انتهاك شخصي يعيشه كمهزوم، يعيش عزلته في استديو صغير، انتقل إليه أخيراً، بعيداً من صخب الآخرين.


في المقهى الذي يرتاده، سوف يتعرّف إلى «يسرا»، وسوف يكتشف بأنها جارته في الحي الجديد، وهي نفسها من كان يراقبها من نافذة غرفته في البناية المقابلة.
وإذا كانت العلاقة مع مديرة دار النشر محكومة بالصرامة، فإن علاقته مع يسرا تتطوّر على عجل كحكاية حيّة يعيشها مباشرة، على عكس ما يكتبه في الملفات، تبعاً لما تطلبه منه مديرة الدار، لتذهب إلى أرشيف الآخرين الذين يوقّعون أسماءهم على مواد لم يتعبوا بتدوينها الأول. ستذهب الحكاية إلى متن آخر، حين تودع يسرا «دفاترها» السريّة لدى الراوي، قبل انتحارها الذي يشهده مثل بث مباشر من نافذة غرفته.
عند هذا المنعطف، تبدأ حياة حقيقية يعيشها الراوي بتدوين حياة يسرا بناءً على محتويات دفاترها أولاً، والرحلة التي ستقوده إلى السنغال بحثاً عن «هادي» ابن يسرا، تنفيذاً لوصيتها له بأن يجد ابنها الضائع، كأن الحكاية لا تحدث إلا بتدوينها. هكذا يدخل عتبة أخرى في الحكي، في تناوب الرواة، والانتقال من انتهاك اللغة إلى انتهاك الجسد، في أقنومين أساسيين، مروراً بوقائع الحرب الأهلية اللبنانية التي عاشها الراوي في صباه الأول، بوصفها الانتهاك الأول. تواريخ ملعونة، وجغرافيات متباعدة تشكّل مروحةً واسعة لحكايات مثيرة ومتواترة في أبواب للذة والاشتهاء والمواجع. يسرا التي تتزوج رجل أعمال لبنانياً يعيش في السنغال، من دون معرفة سابقة، تكتشف جسدها في علاقة ملتبسة مع طبيب أفريقي مشعوذ، لجأت إليه بقصد الحمل.

كشف الأقنعة مجاز آخر لتقشير اللغة من عطبها
وحين تنجب طفلاً أسود، تنشأ فضيحة تطيح طمأنينة زوجها الذي كان ينتظر بشغف الحدث السعيد، بعد انتظار طويل، لكنه يلملم أذيال فضيحته بإيداع الطفل في ميتم مجهول، ويعود إلى بيروت، فيما تكشف التحقيقات بأن الطبيب المشعوذ يدير شبكة دعارة عالمية بغطاء الطب الشعبي. كأن الراوي وقع على حكاية حقيقية أخيراً، لتدوينها باسمه، بعدما انتُهكت لغته طويلاً. كما أن الترحال والمغامرة في الخروج من شرنقته الضيقة أتاحا له أن يدوّن نصّه الشخصي، وإخراجه من عتمة الأرشيف إلى الضوء واشتعالات الجسد. إذ تنشغل الرواية، في طيف واسع منها، بمتاهات الجسد ورغباته وانتهاكاته، سواء كخلفية لمفرزات الحرب، أم لجهة الرغبة في العيش، وتالياً الرغبة في التدوين، وصولاً إلى ارتباكاته الجسدية التي أعاقت تطلعاته طويلاً، بعد أن يلتقي مع سوزان، ويلحق بها إلى باريس، ليكتشف ذاته، متخلصّاً من ثقل ماضٍ أليم. ليس اختيار باريس فكرة عابرة أو مرتجلة، لفحص صورته في مرآة الذات، أو مرآة الآخر، فهنا يبزغ النور على الملأ، روحانية النفس وعنفوان الجسد بصحبة سوزان التي تعمل مساعدة في إحدى صالات عرض الفن الأفريقي، كما تعمل على إنجاز أطروحة دكتوراه عن «فن القناع». كشف الأقنعة إذاً، مجاز آخر لتقشير اللغة من عطبها، في موازاة عطب الجسد واشتعاله، أو تدوينه، بلا مراوغة، فههنا سنقع على جسارة ايروتيكية واضحة، وفحص عميق لتجليات حاسة اللمس، وإماطة اللثام عن محرمات بالكاد تلامسها الرواية العربية. من ضفة أخرى، يسعى الروائي والأكاديمي اللبناني المعروف إلى هتك فحولة اللغة، وتحريرها من ذكوريتها المتوارثة، إذ يتيح لشخصية «يسرا» مناطق واسعة للسرد عبر نشر دفاترها، كأنه يعيد حياتها مرّة أخرى، فانتحارها هو غياب جسدي، فيما تحضر دفاترها كتعويض عن هذا الغياب، رغم هذياناتها وأحلامها وكوابيسها التي تنطوي على عيش مضطرب، وحالات من التشظي تبدو كأنها حصيلة اغتصاب تاريخي مرتحل، من فضاء سردي إلى آخر. وبمعنى آخر، فإنّ الراوي نفسه، وجد روايته أخيراً، بإعادة تحرير دفاتر يسرا بوصفها فصولاً من روايته الموعودة، وخروجه من الظل إلى النور بموافقة مديرة دار النشر التي شفيت هي الأخرى من أمراضها الجسدية، إثر حالة اغتصاب جماعي على نشر الرواية.
لن يبقى مكان «هادي» مجهولاً، لكن هويته ستبقى ملتبسة، فهل هو «هادي نبيل خالد»، أم «هادي آمادو سال»، أم اسمه المخترع في الميتم، أم انه ابن يسرا بحسون؟ تعدد هذه الاحتمالات، يواكب تعددية أنماط السرد والشغف في تدوين الحكاية كي لا تموت.