خليل صويلح

ماذا يكتب الشعراء الشباب اليوم في داخل الحرب السورية وعلى هوامشها القاسية والمتشظية؟ كان علينا أن نجمع الأصوات السورية الجديدة الضالة في صالةٍ واحدة كي ننصت إلى هتافها المختلف. الخريطة مزدحمة بالعويل والشكوى والغضب. لا منابر جديدة كي يسفح الشعراء الجدد حبرهم فوق صفحاتها. لنذهب إذاً، إلى مدوّنات الشبكة العنكبوتية ونصطاد عطر مخيّلة الألفية الثالثة. القطيعة هنا صريحة مع أوهام الأجيال السابقة. هنا تتخفّف النصوص من البلاغة والمجاز والبسالة.

قصائد مكتوبة بالبيجامات، تصطف في رتل طويل بانتظار «الإعاشة». لاجئون على أبواب «الفايسبوك» بانتظار قراء افتراضيين يمنحونهم «مرحى» عاجلة. لا أمل لمعظم هؤلاء بطباعة قصائدهم في كتاب، وفي أحسن الأحوال سيطبعون آلامهم في كتابٍ مشترك، كما فعل خمسة شعراء جدد في سوريا أخيراً. في الكتاب الذي حمل عنوان «كريستال طائش» كانت هناك نبرة جديدة أفرزتها الحرب في المقام الأول، لجهة مفردات المعجم الشعري، إذ تحتشد النصوص برائحة بارود تهب من الجهات الأربع، فتطيح طمأنينة الفرد الأعزل في النجاة. هكذا ستصبح مفردة «الحاجز» مثلاً، إحدى العلامات الفارقة في تضاريس هذه الكتابة. النصوص العرجاء في فايسبوك، وجدت طريقها، وسط متاهة اللحظة الملتهبة إلى الحانات، بعكاكيز اللغة الهشة، ففي غياب المنابر العمومية، لجأ معظم الشعراء الجدد إلى هذه الأمكنة تحت مسمّيات مختلفة «شعر وخمر»، و«مسا شعر»، و«ثلاثاء شعر»، و«أضواء المدينة»، في سوق عكاظ عصري، تختلط فيه الأصوات المتنافرة، من دون أن نلتقط خصوصية ما، إلا في ما ندر. بإمكانك المشاركة بهذه الوليمة، حتى لو لم تلقِ نظرة عجلى على «المعلّقات»، أو أن تسمع بالسيّاب مثلاً، أما في ما يخص النحو والصرف، فلا تتحدث بما لا طاقة لهم عليه. وسط فوضى النص الجديد، ستنجو أصوات نادرة من حفلة الصخب الجماعي، وتؤسس لمغامرتها على نحو مغاير بوصفها مشاريع شعرية تمثّل جيلها، هذا الجيل الذي وجد نفسه تائهاً في زحام التحوّلات الكبرى، ليس على مستوى خلخلة الخرائط وحسب، وإنما على صعيد الذائقة التي تتحكم بها الميديا في مطحنة لا تتوقف عن الدوران، وتالياً، الكتابة والمحو باستمرار، من موقع أنا مفردة لا تأبه لما عداها، على عكس الحمولة الجمالية التي كانت تثقل أكتاف الأجيال السابقة، حين كان شعراء مثل جاك بريفير ويانيس ريتسوس ولوركا يقطنون في الجوار ويتبادلون التحية مع شعراء السبعينيات وما تلاهم من أجيال. شعراء اليوم لا يحتاجون إلى مرجعيات مركزية، وليسوا ضيوفاً على مائدة أحد، وكأنهم أتوا الكتابة، من دون أن يمرّوا بخزائن الشعر المتداول، سيهزّون أكتافهم بلا اكتراث أمام قافلة من الأسماء الرنّانة، فهم يكتبون تجاربهم مباشرة بقوة الغريزة والحدس والوجع الشخصي، يمضغون أياماً حامضة، كمحصّلة أكيدة لحطام حياة تنمو في العراء. نصوص بثمار بريّة تنطوي على ألم ذاتي محض، أفرزته الحرب وتوابعها، ببركان قيد الانفجار... هنا نماذج من النصوص الشعرية الجديدة التي تكتب اليوم في سوريا، مع شهادة لأحد أصحاب هذه النصوص:


رقصةُ رجلٍ مكسورٍ و خائب !

معاذ زمريق
الجراح باردة
وقلبي يضحك
العشاق سعداء
والجنود في عطلة مفتوحة
العمال المياومون يشربون البيرة
بعد انتهاء العمل
والشمس تمنح الجميع نهاراً لطيفاً
الورود توزّع بالمجان
والأطفال يأكلون الآيس كريم
الرجل يجلس على حافة النهر
يقرأ كتاباً
والمرأة تثرثر وجاراتها
عن عنب الحياة
الطغاة يسقطون في البئر
وأنا أرقص
وأرقص
وأرقص
... ابتسموا قليلاً
أرجوكم... تظاهروا بتصديقي
ألا تعرفون مدى حاجة رجلٍ
مكسورٍ و خائب
للكذب؟!
ماذا أفعل إن كانت
الجراح تضحك
وقلبي باردٌ كطعنة في الظهر
العشاق يتبادلون النحيب
والجنود يشربون البيرة
ويلمّعون الرصاص الذي يلتف كالحبال
حول أعناقهم!
الشمس تشوي جباه العمال المياومين
والرجل يرمي نفسه في النهر
الأطفال تُصنع من أصابعهم الرقيقة
ولاعاتٌ لسجائر الحرب
والمرأة تصلّي.. تصلّي بخشوع
لإلهٍ عابر
الطغاة يدوسون عنب الحياة
وأنا أرقص... وأرقص... وأرقص
في البئر!
ألا تعرفون ماذا يعني أن يرقص
رجلٌ مكسورٌ و خائب؟!
أرقص
وأرقص
وأرقص
أفتح ذراعيّ كمن يحاول أن يضم الهواء
وحين أغمض (عيوني المغسولة)
بعرق الكون
رافعاً رأسي كرايةٍ على جبهة الحياة
أحلمُ
أني نهشتُ «راء» الحرب بأسناني
كوحشٍ مفترس
ثم علّقتها هلالاً أليفاً
في
عتمة
الوطن!
..
ألا تعرفون ماذا يعني أن يحلم
رجلٌ مكسورٌ وخائب؟


أفكُّ أزرارَ وحدتي بتمهّلٍ مريب

علا حسامو
دعوني...
وحدي في تويجات عتمتي أذوب؛
أُرخي صمتي على كائناتي الصّغيرة؛
أمشي مشمّرةً عن ركبةٍ شوّهتها الرّغبة؛
أركضُ حافيةً على جثث العابرين.
أمرّغ كعبيَّ بأشواكِ سيقانهم الّتي لمّا يحرقها أحد.
أركضُ حافيةً من قدميّ الباليتين
على الجرائد المترهّلة كجلدِ العجائز؛
لأستريحَ في آخرِ جملةٍ،
هكذا.. ساقٌ في الكافِ الأولى
وساقٌ تتمايلُ على نقطةٍ في آخر السّطر؛
كوسادةٍ محشوّةٍ بالرّصاص؛
هكذا.. أستقر بين حَرفين.. حالَتَين..
أفكُّ أزرارَ وحدتي بتمهّلٍ مريب؛
أحطّمُ قبّةَ التّوحيدِ بتفاحةٍ عفنةٍ أكلها الدّود قبلي؛
ثمّ ألتصقُ أسفلَ كرسي خزيي كعلكةٍ ممضوغة؛
وأُصلبُ في سريري مرّةً بالوردِ.. بالعلّيقِ.. ومرةً بالكبّادِ؛
أُصلبُ كالفراشةِ حينَ يهطلُ نورُها موتاً شحيحَ الرّائحة.


ثغرها مسرح فراشات ووجهها حديقة!

أحمد ودعة
بعد أن ترخي جناحيكِ الكبيرين
على صدري
وقبل أن تقطعي أغصاني
كحطّاب
وتلتهميها كمدفأة
حاولي أن تتركي إصبعاً واحداً
تسندين إليه رأسكِ عندما تنتهين..
***
بعد أن يفرغ قوس قزح من علبة الطلاء
وتنتهي من تقليم أظافركِ التي تشبه
شفرات الحلاقة
وقبل أن تخبئي عيون القمر
في علبة مكياجكِ
ارسمي له عكازاً، أو علّقي كلباً في رقبته
يأخذه إلى المنزل
عند نهاية الدوام..
***
بعد أن تغزلي وشاحاً من شعركِ الذهبي
وتلفي به عنق الشمس
وقبل أن تبالغي في عقده
أرسلي لها زجاجة أوكسجين
لتبقَ على قيد الضوء ..
***
بعد أن تخلعي ثياب النوم
وتُلبسي السماء قميصها الأزرق
وقبل أن تقفلي أزراره
هناك من يريد توثيق طيشها
والتقاط بعض الصور..
***
بعد أن تنتهي من زراعة الخريف
في صدري
وتنتظري ما سترسمه أصابعي المقطّعة
من قصائد وحب
وقبل أن تسألي نفسكِ
ما بال تلك الأصابع اللعينة لا تتحرك
فقط إرمي لها قلماً..
***
تلك الفتاة ذات الرموش الطويلة
كالمسافات
الكثيفة كغابة
تصلبني على السرير كدريئة
وترمي جسدي
بكل ما يحمل قلبها من سهام..
الفتاة المبتسمة كالأراجيح
ثغرها مسرح فراشات
ووجهها حديقة..
حمرة شفتيها قهوة باردة تمتلئ أوردتي
بكافيين كلماتها
وعينيها الزرقاوين حوض زجاجي
لأسماك الزينة الملوّنة..
***
ما الذي تنتظرينه من رجل
بقلب مقعد
يسيل لعاب عينيه لمجرد اقترابك
وتنتصب لحيته كلما لامست جناحيك
الكبيرين..؟!



جلدُ حُرِقَ أمس...

سوزان علي
نمش ظهري
من تلك الغابة
الغابة ذاتها التي احترقت أمس
وهذا الشغف من صنوبر القمر
يتبع جدته إلى بيتها ثم يؤوب
من اسمي المتروك بين الأشواك
عندما كنت أرنو إلى الجذر خارج عتمته
وإلى شامة يدي الصغيرة
إن أحرقوا الغابة
من أين تطلع الجدات؟
وكيف يقطفن زهور المخيّلة؟
وأين تحط ريشة الحكايا؟
الغول احترق على الشجرة
قبل أن يدلّنا على البئر الذهبية.
خطوة على الرصيف
تصير وردة على السياج
وردة على السياج
تطير مع هواء الربيع
هواء الربيع يصيد المخيّلة
من الوراء
كقبلة ظهرك إليها
وقلبك شباكها
يدي تدقُ عشبةً على الصخرة
وجرحي يدخل الغابة.
/بين قذيفتين وشارع/
أنا في الشام
بين قذيفتين وشارع
بين أكتاف راحلة وزهور على العتبات
بين زحمة سوريا على الحواجز
وتخمة الهويات في المعتقلات
بين الخبز المنقوع في رمقه
وقنص رعشة بيضاء من سكر
على الرسائل
على الشفاه
على الأذرع
تريد أن تصل إليك
لتهمس:
كم أحبك



عاصفة ربيعية

أحمد سبيناتي
في دمشق
في ليلة رأس السنة
سأهديك حزاماً ناسفاً
و... زهرة حنظل
و... قلباً يقطر كرهاً
و... موتاً أحمر الملامح
و... دمية يائسة الوجه
قد اقتلعت قلبها عاصفة ربيعية
و... نجوماً بعدد الذين ماتوا ..
وستهدينني وجهك الحزين
كحارات دمشق..
و... انفجاراً في كراج السومرية
أو تحت المتحلق الجنوبي
أما الله... فسيهدينا معاً
قذيقة هاون عمياء
قررت انتقامها من كل العاشقين
في ليلة رأس السنة

أنا بخير

نور كنج
أنا بخير
أجهّزُ طاولةً لأربعة أشخاصٍ،
وآكل على طرف السرير بمفردي
أنا بخير
أجرُّ خِزانة جدّتي العجوز
على مهلٍ.
فأوقِظُ شبحَهَا، وأنام.
أنا بخير
لساعاتٍ، أحملقُ بأسطوانة الغاز
وأتذكّرُ خوفَ الدّرويش من الحريق!
أنا بخير
في المنام، هناكَ، امرأةٌ، تقدّمُ لي سهماً
وفي اليقظة، ألاحِظُ تقوّساً شديداً
في ظهري.
/ القاتل/
القاتلُ يبقى وحيداً،
لا أحد يقاسمهُ نشوةَ الأحمر
لا أحد يهديه شفرة سكينٍ نظيفة
لا أحد يقلّد له صوتَ العنق
صوتَ القلبْ.
ولا أحدٌ أيضاً، يُهديه فِعل النّدم!
القاتِلُ؛
وحيداً، يراقبُ موكبَ الضّحية!




نص مشتهى ينتظر في الظل



معاذ زمريق
ما الذي كنتُ أفعلهُ في السنوات الأربع الماضية؟
/كنت أتمرّن على كتابة الشعر/
هل يبدو ذلك جواباً منطقياً؟ في الحقيقة لا أعلم، لكنني أردده... و \حسب.
حين كتبتُ أول قصيدة، لم يكن يشغلني سوى النظر إلى عينيّ الفتاة التي لم تكن تحبني بعد، وحين نشرتُ أول قصيدة في صحيفة يومية، قلتُ في نفسي: هناك أحدٌ ما (لا أعرفه) سيقرأ قصيدتي... ولو بالصدفة، ثم حين صدر كتاب (كريستال طائش) المتضمن نصوصاً لي تحت عنوان (أريد أن أكون ولداً مشاغباً) عن ثلاثاء شعر، لم أجرؤ أن أقول لصديق جديد.. (أنا شاعر)، هكذا جرت الأمور، وحتماً لا أتجاهل الانعطافات والتبدلات التي طرأت على النص لجهة الحساسية والذائقة والأدوات في فترات زمنية متقاربة، وما إلى ذلك من بحث عن اختلاف وخصوصية بشكل عام، ففي كل مرحلة هناك نص يولد في الضوء و يقابلهُ آخر (مُشتهى) ينتظر في الظل.
بعد اضطراري للخروج من سوريا، أضحت القصيدة بالنسبة لي وجهاً بمعالم مختلفة، بتُّ بحاجة إلى خرائط جديدة تمكنني من الوصول إليها، فما فعلته بها الحرب سابقاً لا يشبه ما تفعله بها الآن، حيث نيرانها تتقد (الحرب) ودخانها سماء دامية، و مَن كان في الماضي يكتب... ثم يمضي، أضحت الحرب قصيدةً بقضبانٍ وقطيعٍ من الأقبية تكتبهُ.. ولا مكان تمضي إليه، إنها وإلى جانبها (انكسارات فردية، آفاق تتحطم، عزلة مجنونة، و أحلام تتبخر)، فريقٌ رياضي مختال يبتسم بمهارة قاسية لعدسة القصيدة. لا أحبُّ أن أتكلم عمّا وراء النص، فمحاولة الانشغال بكتابتهِ تعجبني أكثر، ولو حدث فيما بعد وسألني أحدهم عمّا سأقوم به في السنوات القادمة مثلاً، سأجيبه: المران.. المران على ممارسة الشعر يا صديقي.