القاهرة | قبل شهرين فقط، وجّه «المهرجان القومي للمسرح» المصري الشكر إلى خالد صالح على دعمه المهرجان. هل كان صالح الذي أبعده الانشغال السينمائي التلفزيوني عن المسرح، يوجه الدعم إلى ماضيه الخاص؟

عرفه مسرح الجامعة أولاً ثم جاء الأداء المذهل على مسارح «الهناجر» و«القومي» و«الطليعة». تحفظ له الخشبة دوريه البارزين منتصف التسعينيات، الحارس المثلي في «طقوس الإشارات والتحولات» (سعد الله ونوس)، ومفتش التذاكر في نسخة غنائية من «مسافر ليل» (صلاح عبد الصبور).

في الأولى، أدى مشهد الانتحار مشنوقاً كاملاً فوق خشبة «الهناجر». وفي الثانية، استقبل الجمهور بنفسه مفتشاً تذاكره في مدخل مسرح «الطليعة»، بنفس الحيوية والقوة في الأداء التي لازمته في ما بعد في السينما والتلفزيون، ومنحته نجومية تأخرت نسبياً، لكنه عوّض التأخير بعلامات صنعها سريعاً ولن تنسى.
بين المسرح والسينما، في الانتقال بين الجمهور الخاص المحدود إلى الجمهور العريض المتنوع، محاولات متتابعة لدخول ساحة الفن السابع، عطلتها صعوبات السينما آنذاك منتصف التسعينيات، وظروف شخصية ألزمت صالح ببعض الأعمال التجارية للعائلة. لكنه ظهر هنا وهناك في «جنة الشياطين» (1998) و»جمال عبد الناصر» (1999) و»خللي الدماغ صاحي» (2001) وأعمال أخرى متفرقة، أدى فيها جيداً. لكنّ مشهداً صغيراً شبه صامت لشخصية قاضي محكمة في «محامي خلع» (2002) آلفه مع الجمهور أخيراً. وبعد قفزة أخرى صغيرة في الكوميدي «ميدو مشاكل» (2003)، ضرب بقوة في «تيتو» مع أحمد السقا (2004)، وانتقل بدور الضابط الفاسد، بأدائه و»لازماته»، إلى مصاف نجوم السينما، بل إلى أحد أهم مواهبها أيضاً في نظر النقاد كما الجمهور.

جسد دور الحارس المثلي
في «طقوس الإشارات والتحولات»

برهن صالح على نوعية موهبته، بأن قدّم في العام نفسه، على العكس تماماً من الضابط القاسي في «تيتو»، دور الزوج الفقير البسيط (الرومانسي على طريقته) في «أحلى الأوقات» (2004). كان هو الوجه الرجالي البارز في هذا الفيلم النسائي تأليفاً (وسام سليمان) وإخراجاً (هالة خليل) وبطولة ثلاثية (هندي صبري وحنان ترك ومنة شلبي). إحدى أشهر عبارات الفيلم كانت لهند صبري «أنا عاوزة ورد يا إبراهيم، وما تقوليش الكباب رومانسي أكتر من الورد». رغم أنّ العبارة هنا تنطقها الزوجة يسرية (هند)، إلا أنّ خالد صالح (إبراهيم) بقي حاضراً في المشهد، مرتبطاً به بقوة حضوره الهائلة. في مشهد آخر، يذهب لتسلم زوجته من قسم الشرطة، تلومه على سوء حالة وملابس الأطفال «المبهدلة»، يجيبها ساخراً: «يعني أنا رايح أجيبك من المجلس القومي للمرأة؟ أنا جايبك من القسم يا يسرية»!
هذا المزيج الدائم من البساطة والقسوة وخفة الظل، بقي مصاحباً ومميزاً لخالد صالح في أدواره على تنوعها. يبرز ذلك بقوة في دوره الأهم في «هي فوضى» ليوسف شاهين وخالد يوسف (2007). يمكن القول بسهولة إنّ صالح كان البطل المطلق للفيلم، رغم تعدد نجومه، وعلى رأسهم منة شلبي التي لعبت البطولة النسائية. لعب صالح دور أمين الشرطة الفاسد (كان في السيناريو الأصلي ضابطاً فاسداً ثم خُفض إلى أمين شرطة)، يعيش حباً من طرف واحد بلا أمل مع جارته نور (منة). يحاول الحصول عليها باستخدام ألاعيبه ونفوذه وفساده وأخيراً ذكورته وحدها عبر اغتصابها. عبر يومياته، يعرض الفيلم نقداً واسعاً لممارسات شرطية فاسدة، من التعذيب إلى فرض الأتاوات واستغلال النفوذ. على لسان صالح/ حاتم في الفيلم، يقول عبارته الأشهر: «اللي مالوش خير في حاتم مالوش خير في مصر» في إِشارة من السيناريو إلى فساد النظام السياسي الذي يحتكر الثروة والمصالح.
إلى التلفزيون، انتقل خالد صالح نجماً كبيراً. بطولات جماهيرية في «تاجر السعادة» وفرعون» و»الريان»... كانت أدوار بطولات وشهرة، لكنها لم تحمل القيمة الفنية لأدواره في السينما والمسرح، كان في مسرح التسعينيات شاباً حيوياً، وفي دراما التلفزيون نجماً قطع مشوار النجومية الصعب. بين هذا وذاك، في سنوات السينما طوال العقد الأول من الألفية، تمكنت منه متاعب القلب، علاج إثر آخر ومحاولات آخرها جراحة القلب المفتوح في «مستشفى مجدي يعقوب» في أسوان، إنها المستشفى الأهم في مصر، لكن قلب خالد لم يعد يحتمل أكثر.